فهرس الكتاب

الصفحة 82 من 566

15ـ ماذا يرمز إليه الوضوء؟

ولماذا لا تصح الصلاة إلا به؟

نظرت إلى بعض الأشجار القريبة منا وكان غبار الجو قد كساها وجعل أوراقها داكنة، فلم تُثِر انتباهًا وخلَّفتها دون توقف. وشاء الله أن تمطر السماء بعد قليل، وكان مطرًا غزيرًا، ومررت بالأشجار نفسها فكان منظرها عجبًا؛ كانت خضرتها تزهو، والأوراق تحت أشعة الشمس تلمع! فقلت: ما أحسن النظافة، أبرزت الخِلقةَ الطبيعية في جمالها الأصيل، وبعثت النفوسَ على الإعجاب.

كذلك جسم الإنسان، إن النظافة تجلوه وتزكِّيه، والجسم الإنساني أحوج من غيره إلى التطهير الدائم؛ لأن متاعبه لا تجيء من الغبار وحده، وإنما تجيء من إفرازات الجلد والأعضاء ونفايات الأجهزة التي لا تهدأ حركتها، ولم أَرَ نظامًا للتنقية والتطرية أدق من التشريع الإسلامي في احترام الجسم وإزالة القَذَى عنه، واستئصال ما يَشينه واستبقاء ما يَزينه.

والوضوء من شعائر الإسلام المطردة في الحياة الإسلامية، وهو من الوضاءة أي الحسن الباهر، ومعنى ذلك أنه فوق النظافة، إنه تَخْلِيَة وتَحْلِيَة، والنظافة قد تَعْنِي إزالة الأوساخ وحسْب!

كلمة الغسل في اللغة لا تعني إسالة الماء فقط، يقال: غسلت السماءُ الأرضَ. إذا كان المطر بالغ الشدة. وإذا فرض الإسلام غسل أعضاء معينة فهو يريد تدليكها بما يطهرها ولا يترك أثرًا منفِّرًا فوقها.

وقد أوجب الإسلام الوضوء، كما فرض جملة من الأغسال التي تشمل الجسد كله! ونستطيع جعل الوضوء رمزًا لفلسفة الإسلام في تكريم الجسم الإنساني وإعزازه، إذ أن هناك عقائد تعلن حربًا على هذا الجسم، وترى الارتقاء في إهماله وإنحافه والجَور عليه، وذلك في زعمها لترقية الروح.

والواقع أن الإنسان معنًى ومبنًى وقلب وقالب، وعزل المادة عن الروح صعب. والمفروض أن يكون المعنى الشريف في مبنًى نظيف، وأن يكون القلب الطيب في إهاب نفيس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت