93 ـ ما مكانة العمل والعلم في الإسلام؟ وهل هما مَقصوران على العمل العِباديّ والعلْم الدينيّ؟
الإسلام هو الوحْي النازل على محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ ليُوجِّه به الحياة إلى ربها، ويهديَ الناس كافَّة إلى الصراط المستقيم، أي أنه حقائقُ مُقرَّرة أولًا ثم أساليبُ مُتجددة في البلاغ والعرْض والحِماية والدفاع.
لنفرضْ أن صاحب فلسفةٍ ما اقتنَع بأن ما لدَيْه ينفع العالَم، إنه ابتداءً يشرح ما عنده ويُطبقه في ذات نفسه، ثم يَنتقل إلى تفهيم الآخرين بكل وسائل الفهْم، ويحتاط ضد المُعتدين والمُعوِّقين بكل أسباب المقاومة.
وقد مضى الإسلام على هذا النهج منذ بدأ مسيرته، أو منذ استمع نبيُّه إلى صوت الوحْي (اقْرَأْ باسْمِ رَبِّكَ الذي خَلَقَ. خَلَقَ الإنسانَ مِن عَلَقٍ. اقْرَأْ ورَبُّكَ الأَكْرَمُ. الذِي عَلَّمَ بالقَلَمِ. عَلَّمَ الإنْسانَ مَا لمْ يَعْلَمْ) (العلق: 1ـ5) .
إن العلم هنا مِن شقين: علْمٌ بحقائق الوحْي، وعلْمٌ بطُرق غرْسِه وذَوْدِ الأذى عنه.
في الفلسفات المادية المُعتادة يسير العِلمانِ معًا سيرًا لا يتَّسمُ بأي تناقض، فالشيوعية تُسوِّي بين رجل الإعلام الذي يعرض مبادئها في الصحف المحلية والهيئات الدولية، وبين رجل الفضاء الذي يستكشف الكوْن، ويستخدم الأقمار الصناعية في الكَرِّ والفَرِّ والظفَر في حرب الكواكب! كِلا الرجلين يؤدي واجبه نحو مَبدئه، وكلا العِلْمينِ يعمل للآخر ويُعانقه.
إننا نضرب هذا المَثَلَ ليَعْلَمَ السُّذَّجُ مِن المسلمين أن تالِيَ القرآن الكريم في الإذاعة يَعرض نوعًا مِن المعرفة الدينية، وأن الذي يُشرف على توجيه صاروخ في الفضاء كي يُدافع عن هذه المعرفة لا يقلُّ مكانة عن القارئ المُرتِّل، وقد يكون ـ بصدْق نِيَّتِهِ ـ أولَى بالله منه!
إنه هو الآخر يُمثل علْمًا لابدَّ منه، ما يحيَا العلم الأول إلا به، فالإيمانُ أُسٌّ والجهاد حارس.