82 ـ ما حكمة الزكاة؟ وما نصابها؟
البخل عاهة قديمة في الطبيعة البشرية، ترجع إلى حب المرء لنفسه وحرصه على مصلحته، وارتيابه في المستقبل ارتيابًا يُغْرِيهِ بالادخار والجَمْع بعد الجمع! والدين لا يُبَغِّضُ للمرء نفسه ولا يُزَهِّدُهُ في مَصَالِحِهَا، ولكنه يرفض أن يتحول ذلك إلى تجاهل للآخرين، وفقدان للشعور بوجودهم وحقوقهم، ولعل ذلك هو الفارق بين الإنسان والحيوان، فالحيوان ما يَتَحَرَّك إلا وَفْقَ اللذة والأَلَمِ، إنَّه يَسْتَقْتِل من أَجْلِ قُوته أو قُوت صغاره الذين هم امتدادًا له، والعالم في عَيْنه لا يتجاوز هذا النطاق.
والإنسان القريب من الحيوان يُصْبِح ويُمْسِي مَحْصُورًا في مآربه ومطالبه، لا يفكر أبعد من ذلك، فَلْيَحْيَ هو ولْتَمُتْ الدنيا كلها بعدئذ.
وقد جاء الإسلام فَخَلَعَ الفرد من هذه الأَثَرَة، وجعله جزءًا من كِيَان مشترَك أو جسد واحد، وأفهَمَه أن الإيمان يَقتضي محبة الآخرين والرحمة بهم واحترام مصالحهم، وقد يقتضي الإيثارَ والعطاءَ المبرَّأَ من المَنِّ، قال تعالى: (وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ) (التغابن: 16) وقال: (وسيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى. الذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى. وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى. إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى) (الليل: 17ـ20) .