وعند التأمل نَجِدُ أن حب المرء لنفسه ونسيانَه لغيره يَكْمُن وراء تَشَبُّعِه مع جوع الآخرين، وتَطَلُّعِه إلى مَزِيدٍ مع فقدان غيره للضرورات الماسَّة! ولم أعرف شيئًا يُورِث الضغائن كهذا التفاوت، إنه يحول الجماعة البشرية إلى قَطِيع متوحش! ومِحْنَة الدِّين في المجتمعات التي تحولت إلى الماركسية أتت من ذلك التفاوت الظالم، والثُّوَّار ما كانوا حاقدين على الوجود الإلهيّ قَدْرَ ما كانوا ضائقين بِبِطْنَةِ الكُهّان ومَسْغَبَة البائسين، وقد رأينا القرآن الكريم يَعُدُّ أولئك الكهنة البِطَانَ هم السبب في كفر الناس، ويَعتبر مسلَكَهم صَدًّا عن سبيل الله (إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَالذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) (التوبة: 34) .
والكلام في الزكاة فرع تنقية الطباع من الشُّحِّ، وغَرْسِ الأُخُوَّة المتحابّة المتراحمة المتكافلة، وقبل أن أعطيَ أحدًا من مالي أنا باسم الزكاة يجب أن أضمن للكادح ثمن عرقه وجزاء سَعْيِه!
لقد رأيت قاعدين يَشرَكون الآخرين في رِبْحِهم تحت عناوينَ ما أنزل الله بها من سلطان! رأيت الأعرابيّ يَكْفُلُ عشرة من الناس لِيَسْتَوْلِيَ على نِصْفِ رَوَاتِبِهِم جميعًا! والإسلام بريء من هذا الجَشَعِ والغَصْب.
إن دور الزكاة يجيء بعد إرساء قواعد الحلال والحرام، فإذا حَدَثَت ثغرات في المجتمع بعد تسييره وَفْقَ سنن عادلة فإن الزكاة تَمْسَح الآلام وتنشر الرحمة والوئام، إن الزكاة طهارة نفسية واجتماعية قبل أن تكون مساعدات مادية (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (التوبة: 103) .