لم أعرف نظامًا دينيًّا في الأَوَّلِينَ والآخرين اهتم بالزكاة والصدقة مثلما اهتم الإسلام، وفي كتاب الله وسنة رسوله آياتٌ وحِكَمٌ تُحِسُّ معها كيف يريد الإسلام تعميمَ الخير وإشاعةَ النعمة، ومطاردةَ البأساء والضراء، وجَعْلَ بسمة الرضا يصطبغ بها كل فم!
من قديمٍ والناس يكرهون استخراج المال من خزائنهم ويوَدون لو بَقيَ لهم وَحْدَهم، بَيْدَ أن الإسلام يقاوم هذه الرغبة ويَكْسِر حِدَّتَهَا، وإذا احتاج الأمر إلى مقاتلة أصحابها أعلن عليهم الحرب حتى يفيؤوا إلى أمر الله، وهكذا فَعَلَ الخليفة الأَوَّل، فهل يتكرر ما فعل؟
عن الأحنف بن قيس قال: كنت في نَفَرٍ من قريش فَمَرَّ أبو ذر ـ رضي الله عنه ـ وهو يقول: بَشِّرِ الكافرين بِرَضْفٍ يُحْمَى عليهم في نار جهنم، فيوضع على حَلَمَةِ ثَدْيِ أحدهم حتى يخرج من نُغْضِ كَتِفَيْهِ أعلاه ويُوْضَع على نُغْضِ كتفه حتى يَخْرُجَ من حَلَمَة ثديه، يتزلزل، فَوَضَع القوم رُؤُوسهم، فَمَا رَأَيْت أَحَدًا منهم رَجَعَ إليه شيئًا! فَأَدْبَرَ، فاتَّبَعْتُهُ حتى جلس إلى سارية، فقلت: ما رأيت هؤلاء إلا كَرِهُوا ما قُلْتَ لهم! فقال: إن هؤلاء لا يَعقِلون شيئًا! إن خليلي أبا القاسم دعاني فأجبته، فقال:"أَتَرَى أُحُدًا؟"فقلت: أَرَاه! فقال:"ما يسرني أن لي مثلَه ذهبًا أُنفقه كله إلا ثلاثة دنانير! ثم هؤلاء يَجْمَعُون الدنيا لا يعقلون شيئًا".