فهرس الكتاب

الصفحة 21 من 566

5ـ ما مكان التصوف في الإسلام؟

إذا ذُكر التصوف تراءت للعين صور شائهة لرجال يتبعون طرقًا شتى، وتنتظم في المناسبات الدينية مواكب لها بُغَام مُنكَر، تخدم السلطات الغاشمة، وتُحيي البِدَع والخُرافات، وقلما ارتفعت لها راية في ميدان جهاد.

والحق أن هؤلاء الغوغاء لا علاقة لهم بالتصوف، ولا يعرفون منه قليلًا ولا كثيرًا.

التصوف ـ سواء كانت الكلمة عربية أو مترجمة ـ يعني حقائق أخرى جديرة بالدرس والتمحيص.

والتراث الصوفي يتضمن أحيانًا قضايا في ذروة الشرف والسَّناء، كما يتضمن أحيانًا أخرى شطحات لا وزن لها، بل ينبغي اطِّراحُها والنأيُ عنها.

وأول ما نحذِّر منه هو التصوف الفلسفي الذي نقَل عن الهنود واليونان الأقدمين عقائدَ الحلول ووَحْدة الوجود، ومشيًا وراء تهويمات عاطفية بعيدة عن هدايات الإسلام، ولا يمكن ربطها بالوحي الصحيح.

كما أن هناك تصوفًا ضاهَى الرهبانية البوذية والنصرانية، وأعلن حربًا على الجسد لا عقل فيها ولا جدوى منها، أو استدار للحياة الدنيا فلم ينشغل بها ولم يَكدَح فيها، وكوَّن أجيالًا من القاعدين والمنسحبين في ميادين الحياة شَقِيَ بهم الإسلام دهرًا، ولم ينجحوا لا في كسْب الدنيا ولا في كسب الآخرة.

إننا نرفض هذا اللون من التصوف، ونؤكد أن الإسلام يستنكره، وأظن أن بَداهات الفطرة والعلم والارتقاء الإنساني تعترضه.

ولكن هناك تصوفًا نبت في أكناف الإيمان والإسلام والإحسان، ونما على أغذية جيدة من العلم والعمل، واستطاع أن يُلَوِّن المشاعر الإنسانية بصدق العبودية، ودَفَعها إلى التفاني في مرضاة الله والحس الدقيق بوجوده وشهوده، وجعَل أصحابه يسعدون بمشاعرهم الباطنة وإن كانت أحوالهم نَكِدة فيما يرى الناس، حتى يقول قائلهم: حبسي خَلوة، ونَفْيي سياحة، وقتلي شهادة!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت