68 ـ ما حقيقة الملائكة والجن؟ وما علاقتهما بالإنسان؟
هذا مَيدان شائك! لأنه يتصل بعالم الغيب ودرايتنا به قليلة، وسأنقل خطواتي بحذر مستهديًا بما أملك من طاقة عقلية، وبما تيسر من تعاليم سماوية.
أؤكد أولًا أن الوجود أكبر من الإنسان، وأن تصور الإنسان نفسه على أنه الكائن المحتكِر للحياة ينطوي على غرور وجهالة، فالكون أكبر منا، وساكنوه أكثر عددًا وأشد قوة.
وقد فهمت من القرآن الكريم أن الجن عالم برز إلى الحياة قبل الإنسان، وربما كُلِّف قبله، قال تعالى: (ولقد خلَقنا الإنسانَ من صَلْصالٍ من حَمَأٍ مَسنونٍ. والجانَّ خلَقناه من قبلُ من نارِ السَّمومِ) (الحجر: 26،27) .
ويبدو أن إبليس أبا الجن ضايقه هذا الكائن الجديد، وظنه منافسًا على مكانة استقرت له، فكره آدم وبنيه، وساءل الخالق معترضًا: لم خلَقتَ هذا الإنسان ذا الطبيعة الهَشة؟ ولم أمَرتَ بالسجود له؟ إنني أَقدَر منه وأصلَب! ولو أُطلِقنا في سباق لألحقت به وبأولاده شر هزيمة (أرأيتَك هذا الذي كَرَّمتَ عليَّ لئنْ أخَّرتَنِ إلى يومِ القيامةِ لأَحتَنِكَنَّ) لأستأصِلَنَّ (ذريتَه إلا قليلًا) (الإسراء: 62) .
وإبليس بهذا التصرف أحمق! فليس له ـ وهو أحد العبيد المخلوقين لرب الأرض والسماء ـ أن يقف هذا الموقف، فلله أن يخلق ما يشاء، ولله أن يفضِّل ضعيفًا متواضعًا على متكبر!
وما أدرى إبليس أن من أبناء منافسه من يَبهَرُ بحسن الطاعة وصدق العبودية، وحطَّم ما يتعرضه من عقبات حتى يُرضيَ ربَّه بجدارة؟
على أن عالم الجن لم يمض كله في طريق إبليس، فقد بقي منه نفر كثير يعلن ولاءه لله، ويثابر على طاعته، ويؤدي التكاليف المطلوبة منه.