نعم، في الجن ناس طيبون، يسبحون بحمد ربهم، وينكرون أن يكون له ولد، ويهتدون إلى الرشد، وينفذون وصايا المرسلين. وهناك أيضًا من واصلوا الحملات ضد آدم وبنيه، واحتالوا طويلًا لإشقائهم وإفنائهم (وأنّا منّا الصالحون ومنّا دون ذلك كنّا طرائقَ قِدَدًا. وأنا ظننّا أن لن نُعجِزَ اللهَ في الأرضِ ولن نُعجِزَه هَرَبًا. وأنّا لما سَمِعنا الهدى آمنّا به فمن يؤمنْ بربِّه فلا يخافُ بَخْسًا ولا رَهَقًا. وأنّا منّا المسلمون ومنّا القاسطون فمن أسلَمَ فأولئك تَحَرَّوا رَشَدًا. وأما القاسطون فكانوا لجهنمَ حطبًا) (الجن: 11ـ15) .
والاحتكاك دائم بين ذرية إبليس وذرية آدم، فما طبيعة هذا الاحتكاك؟
الظاهر أن الشياطين ـ أعني الجن العصاة ـ ليس لهم أكثر من الوسوسة والاستغفال! ومع ضخامة قُواهم المادية فهم مكفوفون عن استخدامها ضد بني آدم! إنهم يجيئون لمتردد فيُغرونه بالجبن، ولمتوقِّح فيُغرونه بالكبر، ولمتهافت على الشهوات فيُغرونه بالفسق، وهكذا.
وعندما يُوقَف الكل للحساب يقول الشيطان لمن أغراهم: (إن اللهَ وعَدَكم وَعْدَ الحقِّ ووَعَدتُّكم فأخلَفتُكم وما كان ليَ عليكم من سلطانٍ إلا أن دَعَوتُكم فاستجَبتُم لي فلا تَلوموني ولوموا أنفسَكم) (إبراهيم: 22) .
والقانون ـ كما قيل ـ لا يحمي المغفل، فإذا زاغ بشر فهو المسئول عن نفسه، وما يملك أحد إرغامه على عوج، ولو استخدم مواهبه ما قَدِر أحد على الضحك منه.
قد تكون قصتنا على ظهر الأرض هي قصة أبينا آدم أيام الجنة! إنه لو ظل ذاكرًا فلم يَنْسَ، قادرًا فلم يَضعُفْ لارتد سهم إبليس إلى نَحره! ولكنه لم يكن عند حسن الظن (ولقد عَهِدنا إلى آدَمَ من قبلُ فنَسيَ ولم نَجِدْ له عَزمًا) (طه: 115) .