فهرس الكتاب

الصفحة 280 من 566

54 ـ ما مدى تقبل الإسلام لأسس الدولة الحديثة؟

أجدني بحاجة إلى توكيد أنه لا فرق بين مقتَضيَات الفطرة السليمة وتعاليم الدين الحنيف!

إنني أحيانًا أصحح بعض الأفكار الدينية المائلة على ضوء سلامة الفطرة، كما أصحح بعض المسالك التي يزعم الإنسانيون سلامتها على ضوء الوحي المعصوم.

وقد بحثت عن المقصود بأسس الدولة الحديثة ـ بعد ما ذكرت أن الحكم عندنا يقوم على الاختيار الحر وإن الشورى تَلزَم الحاكمَ ـ ماذا بَقيَ؟

قالوا: بقيت أمور نعرضها واحدًا واحدًا.

هل يقبل الإسلام أن يُختار الخليفةُ لأجل محدود؟

قلت: ليس هناك نص يمنع، فإذا وجَدت الأمة أن ذلك أحفظ لمصالحها، وأَصوَن لحرياتها، وأبعَد عن إساءة السلطة، وأدعَى إلى تواضع الحاكم فلا حرَجَ عليها في تقريره!

قد تقول: إن ذلك لم يُعرَف في تاريخ المسلمين الطويل!

ونجيب بأن تاريخ الخلافة غير الراشدة ليس أسوة، بل قد يكون مثار لوم ومؤاخذة لذويه!

أما تاريخ الخلافة الراشدة فإن اختيار الخليفة فيه لم يَتَّخذْ نهجًا واحدًا، فأبو بكر ـ رضي الله عنه ـ انتخبه أهل الحَل والعَقد انتخابًا مباشرًا. وعمر عَهِد إليه الخليفة القائم بعد مشورة عامة، وذلك للظروف التي كانت تمر بالدولة، فهي مشتبكة في قتال ضار مع الروم والفرس جميعًا. وعثمان اختِير من بين ستة عيَّنهم عمر، ثم أقبل الناس يبايعونه حتى تم استخلافه. وعليٌّ بايعته الجماهير بعد مقتل عثمان مبايعة حرة لا ثغرة فيها!

وهذا الأسلوب المُتَجَدِّد يشير إلى جواز كل ما يمنع الاستبداد الفردي مهما اختلفت صوره، ولا يجرؤ مسلم على تحريم تصرف لم يجئ في تحريمه نص من الكتاب أو السنة أو القياس الجلي، أو الفوائد المحرمة، بل الذي يقال هنا: إذا وُجدَت المصلحةُ فثَمّ شرعُ اللهِ!

وعندما نراجع تاريخ الخلافة غير الراشدة وجنايتها الشديدة على الإسلام نميل إلى توقيت زمن الخليفة، وتعريضه لانتخابٍ عامٍّ بين الحين والحين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت