ولا يَخدِش هذا الحكم أن الأجانب سبَقونا إليه في معالجة الاستبداد السياسي الذي أُصيبوا به، ونَجَوْا من عَقَابِيلِه وما نَجَونا!
وأعرف أن هناك قومًا لم يَنطِقوا بحرف في التعقيب على ظلم قديم أو حديث، يَضيقون بتقييد المدة التي يبقاها الحاكم في الحكم.
لماذا؟
لعلهم لم يقرءوه في متن أو شرح! وهؤلاء لا يجوز أن يُوزَن لهم رأي!
قال صاحبي: يمكن القول بأن تقييد زمن الخليفة مسألة لا يأمر الإسلام بها ولا يَنهَى عنها! فما رأي الإسلام في وجود أحزاب سياسية تسعى للحكم وتستعمل له أُهْبَته وهي بعيدة عنه، وتقوم بقيادة المعارضة الشعبية إذا جد ما يستدعي ذلك؟
قلت: هي كسابقتها، لا يوجبها الدين ولا يحرمها. أن تكون المذاهب الكثيرة واختلاف وجهات النظر أثر طبيعي للحرية الفكرية التي وفرها الإسلام لأتباعه، وعرفها الناس بعد صراع مرير مع الجبابرة والأدعياء.
وإيغال الحكم الفردي في الاستئثار بكل شيء هو الذي حظَر على الناس حقًّا طبيعيًّا لهم كان يمكن أن يمارسوه في سلام وسماحة!
قال: كيف يسمح الإسلام بمعارضة لولي الأمر؟
قلت: إن المعارضةَ في نطاق الشورى وطلبَ الحقيقة واحترامَ حق الكثرة، لا شيء فيها.
وهذه المعارضة تقع في تفصيلات تشريعية واجتماعية ليس لأحد أن يفرض رأيه فيها بالعنف، سواء كان حاكمًا أو محكومًا، ولنضرب لك الأمثال:
هب أن جماعة من الناس تخيرت من مذاهب الفقه الإسلامي أن تؤخذ الزكاة من جميع الزروع والثمار، وأن تبقَى المناجم ملكًا لأصحابها على أن يُؤخذ منها الخمس، وأن يُسوَّى بين دية الرجل والمرأة، وأن تباشر المرأةُ عقدَ زواجها، وأن تُقبَل شهادتُها في الدماء والأعراض كما تُقبَل في الأموال، وأن يُقبَل التفاضل فيما وراء الأصناف الستة.. إلخ
ثم وَضَعَت هذه الجماعة منهاجها هذا وعَرَضته على الأمة، وذَكَرت أنه أساس حكمها إذا مُنحَت التأييدَ من الجمهور، أيكون هذا التصرف ارتدادًا عن الإسلام؟