26 ـ ماذا صنع الإسلام لحفظ العقل والنفس والمال؟
ألِف الناس أن تكون العبادات أقرب إلى شئون الغيب عنها إلى دائرة المنطق، لكني أرى غير هذا؛ فأنا أنادي إلى الصلاة لا بدقات طبل ولا بزمارات إنذار وإنما صوت يشدني من عقلي! وعندما أنصرف من صلاتي لا أُجزَى إلا بما عقَلتُ منها!
والدين الذي اعتنقته قام على معجزة عقلية تعرِّفني أن الله واحد في الأرض والسماء، لأنه: (لو كانَ فيهما آلِهَةٌ إلا اللهُ لفَسَدَتَا فسبحانَ اللهِ ربِّ العرشِ عما يَصِفون) (الأنبياء: 22) .
وفي القرآن مئات الآيات التي تتحدث عن العقل ووظائفه والأساليب الصحيحة لاستدلاله وبعده عن الأوهام والظنون. وقد أحصيت في مقال لي ستة عشر آية تنوِّه بأولي الألباب وترى أنهم هم الناس حقًّا! وهل الإنسانُ إلا عقلُه؟ ما أصدَقَ قولَ المتنبي:
لولا العقولُ لكان أدنَى ضَيغَمٍ أدنَى إلى شرفٍ من الإنسانِ
ومن أجل ذلك يرى الإسلام ضرورة صقل العقل وتوسيع آفاقه وزيادة إشراقه بأنواع العلوم والتجارب. إن الأعمار العقلية للناس تنقص أو تزيد وَفْقَ ما يُفيدون من تجربة ويتلقَّون من تعليم.
والحق أن الأمم تتقدم أو تتأخر بمقدار أنصبتها من العلم وقدرتها على تحويله إلى حضارة مثمرة. والعقل الصحيح هو الذي يقرأ آيات الله في الكون كما يقرؤها في المصحف.
أما التخلف العقلي فستارة تُسدَل على البصائر والعيون فلا تكشف سرًّا ولا تَدعَم حقًّا (أفلم يَسيروا في الأرضِ فتَكونَ لهم قلوبٌ يَعقِلون بها أو آذانٌ يَسمَعون بها فإنها لا تَعمَى الأبصارُ ولكنْ تَعمَى القلوبُ التي في الصدورِ) (الحج: 46) .
إن الأمم المتخلفة عقليًّا كالأطفال الذين لم يبلُغوا الحلم يوضعون في وصاية الكبار حتى يَنضَجوا. وربما كَرِهت الأمم المتخَلِّفة هذه المنزلة المَهينة، بيد أن سنن الله الكونية تفرض نفسها طوعًا أو كرهًا.