77 ـ في المجالات الاجتماعية والسياسية نرى للإسلاميِّين مقالاتٍ مُتَبَاعِدَة أو متناقضة! فَلِمَ هذا؟
أعترف بأن الملاحظة صادقة، وأشعر بأن بقاء هذا الوضع يَعُوقُ الدعوة ويُحْرِج الدعاة! وسأذكر هاهنا ما أراه باعثًا على هذا الاضطراب حتى يمكن تجاوزه.
إنَّ الإسلام صِرَاط مستقيم، وقد خَرَجَتْ من هذا الصراط طرقٌ شتّى تميل يَمْنةً أو يَسْرةً! وكان اعوجاجها بارزًا كذلك في المجالات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وكان بارزًا كذلك في النواحي المدنية والحضارية، وقد خُيِّلَ إليَّ أَنْ الصراط المستقيم خَلَا من أهله في العصر الأخير، وتزاحمت القوافل الشاردة في مَسالِكِها التي انْطَلَقَت فيها، ومن هنا استوحش الحقُّ، وأصابه ضُرٌّ شديد.
وسأختار نَمُوذَجين لهذا الشرود ولنتائجه في عالم المعرفة والتوجيه:
يُعَرِّف الإسلام أميرَ المؤمنين على أنه وليدُ بيعةٍ حُرَّةٍ أو اختيارٍ صحيحٍ يَتَّجِه فيه الناس إلى انتخاب أكفأ إنسان لقيادتهم، ويعرف القائد المُنْتَخَب أنَّ الحُكْم أمانة ومسؤولية جَسِيمَة، وأنه تكليف لا مَغْنَم، وأنَّ عليه الاستعانةَ بأهل الشورى في تَعَرُّف الصَّوَاب وتحديد الأرشد، وأنه ليس بمعصوم ولا مُسْتَغْنٍ بنفسه بل يَحْتَاج إلى مظاهرة الأقوياء والانتفاع بشتى الآراء، وأنه إذا أخطأ وجب تقويمه، وإذا عجز تَرَكَ للأمة أن تختار غيرَه، فليست الرياسة حقًّا شخصيًّا له أو لغيره.
هذه مُسَلَّمَات في أصول الحكم كما يَعْرِفها الإسلام، وهذا هو الصراط المستقيم، لكن خَطَّ الانحراف الذي بدأ من عهد مبكر جعل الخلافة اغتصابًا وميراثًا، وجعل الحصول عليها مغنمًا لا مغرمًا، وتُنُوسِيَت أجهزةُ الشورى حتى لكأنها وهمٌ أو أسطورة، واقترَب من الحاكم أهلُ المَلَق وابْتَعَد رجالُ الحق أو أُبْعِدُوا، واعْتَبَرُوا النقد الصحيح فتنة أو خروجًا، واعتُبرَت المداهنة طاعة وولاء!