فهرس الكتاب

الصفحة 275 من 566

53 ـ ما المعالم للدولة الإسلامية؟

الناس ترهب الحكم الديني لأمرين:

الأول: أنه قد يُخرج مخالفيه في العقيدة، ويُضيِّق عليهم الخِناق، ويَعُدُّهم بلغة العصر مواطنين من الدرجة الثانية.

وهذا التصرف منفيٌّ نفيًا تامًّا في الدولة الإسلامية، إذ أن الإسلام يجعل المواطنين المخالفين في المعتَقَد في ذمته وعهده وشرفه! ويوفر لهم الحماية المادية والأدبية على نحو لم تعرفه ولن تعرفه دولة أخرى.

وهذا سر بقاء الطوائف الدينية المخالفة بين ظهرانَي المسلمين دون حرج أو عنت، على حين فَنِيَت القلة الإسلامية أو اعتلَّت تحت سلطان العقائد الأخرى.

والمحذور الثاني من الحكم الديني: أن الخليفة أو الرئيس يُمنَح مَيزات روحية وغيبية غامضة، وكأنه ممثل لله على ظهر الأرض، فله ما يشبه القداسة أو العصمة!

وهذا المعنى منكور ومرفوض في الدولة الإسلامية، فالحاكم واحد من الناس، غير أنه أثقلهم حملًا وأشدهم مسئولية، وهو يخطئ ويَنتظر التصويبَ من غيره، ويَضعُف وحده إلا أن يَقوَى بمُظاهِرِيه من أولي الألباب وذوي الغيرة.

وقد رأينا في الخلافة الراشدة كيف يقترب الخليفة من الناس ويلتمس النصح والعون، وكيف يَنفِر من مظاهر العظمة الفارغة ويرى الخُيلاء جريمة والتواضع تقوى.

وأول معالم الدولة الإسلامية الشورى، وطلبُ الصواب عند أهله، والانصياعُ للحق إذا ظهر، وتوفيرُ الجو الذي يُحِق الحق ويُبطِل الباطل.

والشورى خلق إنساني رفيع، محمود في المجتمعات قديمًا وحديثًا، ومعروف في نظم الحكم من قديم، وإن خرج عليه كثيرون وتمرد عليه مستَبِدون.

يقول الحسن: الناس ثلاثة: رجُل رجُل، ورجُل نصف رجُل، ورجُل لا رجُل؛ فالرجُل الرجُل من له رأي ومشورة، والرجُل نصف الرجُل من له رأي ولا مشورة له، والثالث من لا رأي له ولا مشورة!

روى البغوي عن عائشة قالت: ما رأيت رجلًا أكثر استشارة للرجال من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت