وهو بَدَاهة إنما يستشيرهم في شئون الدنيا والمصالح العامة، مما لم ينزل فيه وحي.
وقد استشار المسلمين في معارك بدر وأحد والخندق، ونزل على رأيهم.
وروى أحمد بن حنبل في مسنده أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال لأبي بكر وعمر:"لو اجتمعتما في مشورة ما خالفتكما".
وروى ابن مَرْدَوَيْهِ عن علي بن أبي طالب: سئل رسول الله عن العَزْم ـ يعني قوله تعالى (فإذا عَزَمتَ فتَوكَّلْ على الله) (آل عمران: 159) ـ فقال:"مشاورةُ أهل الرأي ثم اتِّباعُهم". والغريب أن أحد المفسرين شرح الآية فقال: تَستشير ثم تَمضي على الأرشد لا على الشورى. أي تخالف الشورى وتتبع رأيك أنت.
ويخيَّل إليَّ أن عصا حاكم مستَبِدٍّ كانت فوق رأس هذا المفسِّر المضطَّرب، فقال لإرضاء الحاكم ما قال!
إن الله تبارك وتعالى وصف المسلمين بهذه الكلمة (وأمرهم شورى بينهم) وهو قول فصل ليس بالهزل، فكيف يجيء أحد بعد ذلك ليقول: يمضي الحاكم على رأيه متجاهلًا ثمرة الشورى. فلم كان طَلَبَها من قبلُ؟
ثم إن تنفيذ المبادئ المقرَّرة يَتَّخذ على امتداد الزمان شتى الصور، فالعلم فريضة، وتطوع الناس بطلبه في بعض المساجد أو المدارس كان الصورة المألوفة في مجتمع ساذج. أما اليوم فقد جُنِّدت الأجيال له ونُسِّقت مراحله ومعاهده، ويستحيل ترك التعليم للتطوع الفردي!
والجهاد فريضة، وكانت صيحة شجاعة تجمع الشبانَ والشِّيبَ للانطلاق إلى ميادينه وخوض معاركه. فهل تفعل الأمم ذلك الآن، أم تجعل للجيش كيانًا خاصًّا دائمًا، وتجعل للالتحاق به سنًّا معيَّنة، وتَرصُد لتدريبه وتموينه وتسليحه الألوفَ المؤلفة؟
كذلك الشورى إنها مبدأ مقرَّر وفريضة محكَمة، ولابد من إنشاء أجهزتها، وإمدادها بأنواع الخبرة، وتنظيم إشرافها على شئون الدولة، وتمكينها من تقليم أظفار الاستبداد الفردي، وضمان مصالح الجماهير!