ومحاولةُ استبقاءِ الشورى فكرةً ساذجةً أو جعلُها نافلةً عارضةً كذبٌ على الدين وخيانةٌ له، ورغبةٌ في إرضاء حاكم متسلط على حساب الإسلام وأمته. ولم يَخْلُ جيل من أناس يبيعون دينهم بعَرَض من الدنيا، وقديمًا قال شاعر دجال لحاكم مستبد:
ما شئتَ لا ما شاءت الأقدار فاحكُمْ فأنت الواحدُ القهار
كيف يقال هذا مع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ما من أميرِ عشيرةٍ إلا يُؤتَى به مغلولًا يوم القيامة حتى يَفُكَّه العدلُ أو يُوبِقَه الجَورُ، وإن كان مُسيئًا زِيدَ غَلًّا إلى غَلِّه".
إن واحدًا من الخلفاء الراشدين لا يُمدَح بهذه الكلمات الحمقاء، فكيف بغيرهم من حكام الجَور!
ومن الذي أعطَى الحاكمَ مهما علا شأنه حقَّ الاعتراض على رأي الجماعة أو رأي الكثرة، فإذا رفع يده رافضًا سكت الناطق وحُمَّ القضاءُ؟
وما قيمة (أمرهم شورى بينهم) مع هذا الحق؟
إن أجهزة الشورى المنظَّمة المحترَمة الملزِمة هي التي تحفظ حدود الله، وهي التي تأخذ على أيدي الظلمة وتقي الأمة شرهم، وتنفذ قول الرسول الكريم:"إن الناسَ إذا رَأَوا الظالمَ فلم يأخذوا على يدَيه أوشَكَ يَعُمُّهم اللهُ بعقابٍ منه".
وقد حكم التاريخَ الإسلامي قريبٌ من مائة خليفة من بضع أُسَر تُعَد على أصابع اليد، أكدت سيرتهم حاجةَ المسلمين الماسة إلى أدق أجهزة الشورى وأشدها محاسبة لولاة الأمور.
ومن معالم الدولة في الإسلام حفاظُها الشديد على حقوق الإنسان المادية والأدبية، وتوفيرُ الأمن للأفراد والجماعات، والترهيبُ من إيذاء أحد أو ترويعه، وجعلُ الدماء والأموال والأعراض في مثل حرمة البيت الحرام والبلد الحرام والشهر الحرام أو أشد، وإقرارُ العدل مع المؤيِّد والمعارِض والقريب والغريب والغني والفقير، وتهديدُ الأمة جمعاء بالهلاك إن هي تَبعَت الهوى واستَمرَأت الفساد (وما كان ربُّك ليُهلِكَ القرَى بظلمٍ وأهلُها مُصلِحون) (هود: 117)