فهرس الكتاب

الصفحة 278 من 566

ولما كانت للسلطة ضَرَاوة كضَرَاوة الخمر، فإن النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ حذر الحكام من الميل مع الهوى فقال:"صِنفان من أمتي لن تنالَهما شفاعتي: إمام ظَلُوم غَشُوم، وكلُّ غالٍّ مارقٍ". والغُلول الاختلاس من المال العام.

والغريب أن الفساد السياسي والاستغلال الشخصي لا يفترقان، فقلما تجد مستبدًّا إلا سارقًا لمال الأمة، متخوضًا فيه بغير حق، هو وأقاربه وأتباعه.

ومن هنا نفهم ما رواه ابن عباس أن رسول الله بعث معاذًا إلى اليمن أميرًا عليها وقال له:"اتَّقِ دعوةَ المظلومِ، فإنه ليس بينها وبين اللهِ حجابٌ".

ويستوي أن يكون المظلوم مسلمًا أو غير مسلم، كما جاء ذلك مصرَّحًا به في روايات أخرى.

ولممالأة الحاكم إغراء‍. وكما يتساقط الذباب على الحلوى يتهاوى الطامعون عند أصحاب السلطة، ولا يحتاج ذلك إلى دليل. وقد نبه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى عواقب هذه المسالك، فقال:"ستكون أمراءُ فتَعرِفون وتُنكِرون، فمن عرَف فقد برِئَ، ومن أنكَر فقد سَلِم، ولكنْ من رَضِيَ وتابَع". ولم يذكر النبي جزاءه لأنه معروف.

ثم رأى أن يذكر جزاء مؤيِّدي الباطل وأذناب المفسدين، فقال:"يكون أمراءُ تَغشاهم غَواشٍ أو حَواشٍ من الناس، يَكذبون ويَظلمون، فمن دخَل عليهم فصدَّقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم فليس مني ولست منه. ومن لم يدخل عليهم ولم يصدِّقهم بكذبهم ولم يُعِنْهم على ظلمهم فهو مني وأنا منه"وفي رواية أخرى:"فمن صدَّقهم بكذبهم فأعانهم على ظلمهم فأنا منه بريء وهو مني بريء"‍. والراويات كثيرة في هذا الموضوع الحساس في حياتنا وتاريخنا.

ولعل ذلك سرُّ الخصومة الممتدة بين أئمة الفقه الإسلامي وبين جمهرة الحكام الذين تَسَمَّوْا خلفاءَ، وهم ملوك من شرار الملوك!

وقد كانت جماهير الأمة تعرف عدالة الفقيه بقدر قربه أو بعده من باب السلطان، وما ذلك إلا لشعورها العميق بأن هؤلاء السلاطين قطاع طريق لا خلفاء راشدون!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت