فهرس الكتاب

الصفحة 60 من 566

11ـ ما طبيعة الجزاء الأخروي؟

وهل هو روحي أم مادي؟

هل خَلقُ الإنسان من روح وجسد شيءٌ يُعاب؟

كذلك يرى بعض الناس! بل كذلك قال أعداء الأنبياء لهم وهم يرفضون رسالاتهم وينكرون حديثهم عن الله، مقترحين أن يكون الرسول مَلَكًا: (وقالُوا ما لَهِذا الرسولِ يأكلُ الطعامَ ويمشي في الأسواقِ لولا أُنزِل إليه مَلَكٌ فيكونَ معه نَذِيرًا) !

وكما استنكروا أن يكون المُرْسلون بشرًا يأكلون استنكروا عليهم الزواج والنسل، ظانِّين أن الرغبة الجنسية تَشِين الإنسان الكبير، وعليه إذا أراد الكمال أن يَكْبِتها.

وقد ردَّ القرآن هذه المزاعم، وبيَّن جلَّ شأنُه أن المُصْطَفَينَ الأخيارَ من عباده كانوا رجالًا ناضجي الغرائز: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًًا من قبلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْواجًا وذريةً) .

ومع ذلك فإن بقايا من منطق الجاهلية القديمة لا تزال عالقة بأذهان الكثيرين ممَّن يَحسَبون السُّمُوَّ البشري لا يَتِمُّ إلا بإعلان حرب مجنونة على البدن تُوهي قُواه وتدوِّخ غرائزه.

بل سَرَى ذلك الفكر إلى بعض المذاهب الدينية، وانبنى عليه أن التقوى في هذه الحياة تعني الرهبانية، وأن السمُوَّ في الحياة الأخرى لا يُتَصور مع وجود هذا الجسد اللعين! وعليه بعد ذلك فلا بد أن يكون النعيم الموعود روحانيًّا محضًا وكذلك العذاب المُرصَد للأشقياء!

ولما كان الإسلام دينَ الفطرة السليمة، ولمَّا كان لُبَابه احترامَ الحقيقة المجردة، فإنه رفَض كل هاتِيك المقدمات والنتائج، وأسس تكاليفه وأَجْزِيَته الدينية على اعتبار الإنسان كائنًا متميزًا يجمع بين جُمْلة من المواهب والخِصال المتلاقِيَة في شخصيته، بها جميعًا يسمو أو يهبط، وبها جميعًا يُثاب أو يُعاقب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت