فهرس الكتاب

الصفحة 61 من 566

أو كما يقول الأستاذ العقاد:"ليس ما يَدِين به المسلم أن يَرتدَّ النوع الإنساني إلى ما دون طبيعته، ولكن ممَّا يُؤمِن به أن ارتفاع الإنسان وهبوطه منوطان بالتكليف، وقِوَامه الحرية والتَّبِعَة، فهو بأمانة التكليف قابل للصعود إلى قمَّة الخليقة، وهو بالتكليف قابل للهبوط إلى أسفل سافلين، وهذه الأمانة هي التي رفعتْه مقامًا فوق الملائكة، أو هبطت به إلى زُمْرة الشياطين".

ليس الهبوط أن يَشتهيَ الإنسان طعامًا أو امرأة. إنما الهبوط أن يأكل المرء من سُحْت أو يتصل بمَن لا تَحِلُّ له.

فإذا طَعِم من حلال، أو اتصل بأنثى لتكون زوجة يسكن إليها، ويَتِمُّ بها ويمتد وجوده معها فلا شيء في ذلك أبدًا.

لقد أخطأ كثير من المُنْتَسِبين إلى الدين في احتقارهم للبدن، وفهمهم أن التساميَ لا يحصل إلا بسَحْقِه، وفهمهم بعد ذلك أن الحياة الأخروية لا وجود للبدن فيها، وأن النعيم أو الجحيم معنويان وحسب!

وقد سرى هذا الخطأ ـ كُلاًّ أو جُزءًا ـ إلى بعض متصوفة المسلمين، فاعتنقوه وحَسِبوه دلالة ارتقاء وتجرُّد، فظلموا بهذا المسلك دينهم، وأوقعوا خللًا سيئًا في موازين الجزاء كما أقامها الكتاب العزيز. وقلدوا أتباع الديانات المُنحَرِفة في الجَور على الطبيعة البشرية وبذلك أفسحوا للمذاهب المادية طريق التقدُّم والسيادة.

بل بلغت المُجازَفة بهذا البعض أن حقروا عبادة الرغبة والرهبة، وأشاعوا أن من الهبوط أن تُطيعَ الله طلبًا لجنته، أو تَدَعَ عصيانَه خوفًا من ناره، حتى تُوهِم الناس أن الأمل في الجنة والخوف من النار ليس شأن العباد الصالحين!

وهذا الضرب من التفكير لا يُمكن وصفه بأنه تفكير إسلامي، إنه ضرب من الشرود والغرور تبدو تفاهتُه عندما نحتكم إلى العقل والنقل على سواء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت