ولنبدأ بالنقل: يصف لنا القرآن الكريم مشاهد الجزاء، فيذكر لنا أن رجلًا مؤمنًا بحث عن صاحب له كان ظاهر الإلحاد والفسوق، فوجده قد استقر في سواء الجحيم، فحمد الله أنْ لم يتأثر به: (... تاللهِ إن كِدْتَ لتُرْدِينِ. ولولا نعمةُ ربي لَكُنتُ من المُحْضَرِين. أفما نحنُ بميِّتينَ. إلا موتَتَنا الأولى وما نحنُ بمُعَذَّبين. إن هذا لهو الفوزُ العظيمُ. لمثلِ هذا فليَعملِ العاملون) (الصافات: 56 ـ 61) .
النجاة من النار أمل ضخم لمِثْله يعمل العاملون، فكيف يجيء أحد من الناس، رجلًا أو امرأة، ليقول: بل هو أمل تافه؟
ويقول الله جل جلاله: (إن كتابَ الأبرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ. وما أدراكَ ما عِلِّيُّونَ. كتابٌ مرقومٌ. يَشْهَدُهُ المُقَرَّبونَ. إنَّ الأبرارَ لَفي نَعيمٍ. على الأرائكَ يَنظُرونَ. تَعرِفُ في وُجوهِهِمْ نَضرةَ النعيمِ. يُسقَونَ من رحيقٍ مختومٍ. ختامُه مِسْكٌ وفي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ المُتَنافِسُونَ) (المطففين: 18 ـ 26) .
في الرحيق المختوم يُسقاه قوم تعرف في وجوههم نضرة النعيم، في هذا الجزاء الجزيل ينبغي أن يتنافس المتنافسون! فكيف يجيء إنسان، رجلًا كان أو امرأة، ليقول: لا أعبد الله طلبًا لشيء من ذلك.
إن هؤلاء الناس يكذبون على طبائعهم الإنسانية كما يكذبون على دين الله، ثم هم يُسيئون تصور النعيم الأعلى أو العقاب السرمدي.
إن الجنة دارٌ لنوعين من المُتَع؛ أحدهما مادي والآخر معنوي، فالمادي تكريم للإنسان بفيض من التجَلِّي الإلهي يُشعره بالرضوان ويرفعه بالرؤية.
وبَدَهيّ أن المتاع الثاني أكبر من الأول، كما قال جل شأنه: (... ومساكنَ طيبةً في جناتِ عدنٍ ورضوانٌ من اللهِ أكبرُ ذلكَ هُوَ الفوزُ العظيمُ) (الصف: 12) .
ولكن هل هناك فواصل ـ في هذا الكِيان البشري ـ بين الإحساسَيْنِ، أو أن الإنسان بأجهزته المادية والمعنوية يذوق الخير والشر جميعًا؟
إن اللذة والألم قوانين إنسانية صارمة فَلِمَ الطعن فيها؟