فهرس الكتاب

الصفحة 63 من 566

ولو فرضنا أن الجنة محل الكرامة الإلهية، لكفاها ذلك ولاحترمناها من أجل هذه النسبة! ولا يأبى الكرامة إلا لئيم. فكيف ـ وهي إلى جانب ما وصفناه ـ تلبيةٌ لحاجة طبيعية يحُسها كل إنسان؛ حاجة ذلك البدن الذي يَضِيره الحرمان ويُضنيه القُلُّ والذُّلُّ، حاجة ذلك البدن الذي يكره الجوع والعطش والعُرْيَ والهوان!

أمن أجل فكرة خيالية نجيء إلى مئات الآيات الصريحة الواضحة، فنحاول صرفها عن ظاهرها والتمحُّل في تأويلها وإفساد الآثار التربوية المقترنة بها: (قُلْ إِنِّي أخافُ إِنْ عَصَيْتُ ربي عَذابَ يومٍ عظيمٍ) (الأنعام: 15) .

ماذا يبقى من آيات القرآن بنجاة من التأويل والإبطال إذا تمَّت هذه المحاولة؟

إن الله وجَّه إلى نبيه هذا الأمر ووصف أنبياءه الكرام بأنهم: (كانوا يُسارِعُونَ في الخَيْرَاتِ ويَدْعُونَنَا رَغَبًا ورَهَبًا وكانوا لنا خاشعينَ) (الأنبياء: 90) .

ووضع أمام أبصار البشر كلهم هذا الترهيب: (فَمَنْ زُحزِحَ عَنِ النارِ وأُدخِلَ الجنةَ فَقَدْ فَازَ) (آل عمران: 185) .

فهل بعد ذلك نسمع لقول امرئ يرفض عبادة الرغبة والرهبة ويزعم أنه لا يخاف من النار ولا يحب الجنة، وأنه ـ إن عَبَدَ ـ فإنما يعبد ابتغاء وجه الله!

ما هذا اللغو؟ وهل الوجوه الناضرة بنظرها إلى الله تظفَر بذلك في قَعر جهنم، أم تظفَر بذلك في حدائق الجنة؟

قال لي أحد المتصوفين: إن من الخساسة أن تعبد الله منتظرًا أجرًا.

فقلت: من العبودية أن تستبشر بفضل الله، وأن تُوجِل من عقوبته، وأن تعرف قدرك وتلزم حدَّك؛ أين تُريد أن تضع نفسك؟

إن الله قال عن نبيه إبراهيم: (وَجَعَلْنَا في ذُرِّيتِهِ النبُوَّةَ والكتابَ وآتَيْنَاهُ أجرَه في الدنيا وإنَّهُ في الآخرةِ لَمِنَ الصالِحِينَ) (العنكبوت: 27) .

فهل أنت فوق الأنبياء استغناءً عن الأجر الإلهي؟

وقال عن عباده المؤمنين الموفَّقين: (تحيتُهم يوم يَلقَونَهُ سَلَامٌ وأعَدَّ لهم أجرًا كريمًا) (الأحزاب: 44) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت