ووصف عاقبة الصادقين المضحِّين بأنفسهم في سبيل ربهم فقال: (والشهداءُ عند ربِّهم لهم أجرُهم ونورُهم) (الحديد: 19) .
فهل أنت في مكانة أخرى غير ما أعدَّ الله للشهداء والصالحين، مكانة الزاهد في أجر أو الرافض له؟ ما هذا الغرور؟
لقد وصف الله أولي الألباب بأنهم: (الذين يذكرون اللهَ قيامًا وقعودًا وعلى جُنوبهم ويتفكرون في خلقِ السماواتِ والأرضِ ربَّنا ما خلَقتَ هذا باطلًا سبحانَك فقِنا عذابَ النارِ) (آل عمران: 191) .
فهل يرفض أن يكون من أولي الألباب إلا البُلْهُ؟
ولقد أهاب الله بخلْقه أن يسارعوا إلى: (جنةٍ عرضُها السماواتُ والأرضُ أُعِدَّت للمتَّقين) .
فهل يكره أن ينتظم في عِداد المتَّقين إلا الحَمقَى؟
إنني أطلب من إخواننا الذين يكتبون في التصوف أن يُدمنوا النظر في كتاب الله، وأن يستوحوا ما يستجيدون من معانٍ وغايات، وبذلك وحده يُنصفون أنفسهم وطريقهم. أما ترويج فكرة لرجل أو امرأة تبتعد عن هذا الضوء الكريم فأمر لا يُستساغ، ومن حقنا أن نرفضه.
لقد سمعت أشعارًا تنسب إلى رابعة العدوية، بل حكَى الرواة عنها ـ والعهدة عليهم ـ أنها لمَّا سمعت التذكير بفواكه الجنة وخيراتها، قالت: لسنا أطفالًا فنُغرَى بهذه الأشياء.
وسواء صحَّ ما نُسب إلى هذه السيدة أو بطَل، فنحن كما قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في فاطمة بنت قيس، وهي صحابية أفضل من رابعة:"لا نَدَعُ كتابَ ربنا وسنةَ نبينا لقول امرأة لا ندري أحَفِظَت أم نَسِيَت"!
إن الجنة وعد الله لعباده فنعمَّا هي، وشكرًا لمَن أعدَّها للمتقين، وهنيئًا لمَن يصير إليها، يمرح في بحبوحتها ويسعد بربه الذي طالما صلى وصام من أجله!
إنه في هذه الجنة يشهد مَن كان يعبده بالغيب، ويتلقَّى فضله في قلبه وعلى بدنه، لذاتٍ ماديةً معنوية متشابكة لا انفصام بينها: (وإذا رأيتَ ثَمّ رأيتَ نعيمًا ومُلْكًا كبيرًا... إن هذا كان لكم جزاءً وكان سعيُكم مشكورًا) .