64 ـ هل ينبغي في عصر تفجير الذرة وغزو الفضاء أن نقدم الولاء للإنسانية ونؤخر الولاء للدين؟
يظن كثير من الناس أن هذا العصر ليس عصر الأديان، بما توحي به كلمة"دين"من تعصب خاص، وأفق محدود، ورباط بالماضي، وتجهُّم لمَا لم نألَف. ويقولون: هذا عصر الإنسانية العامة ذات المعالم المطلقة والانفتاح على الآخرين.
إنه عصر هيئة الأمم والميثاق العالمي لحقوق الإنسان. والدعوات تتسامى على الأجناس والألوان والقوميات والأديان!
والواقع أن التفكير السائد هو أن القرن الخامس عشر للهجرة أو العشرين للميلاد هو القرن الذي انسحبت فيه الأديان وتركت الزمام لمبادئ أخرى تقود العالم، وعلى المتدينين الاكتفاء باللقاء العاطفي في معابدهم وعدم شغل الناس بقضاياهم القديمة.
هذا الكلام خدعة كبرى لا أصل لها، بل هو زيف من أَلِفِه إلى يائه، وأستطيع أن أكرر ما قلته في مناسبات شتى: إن هذا العصر هو العصر الذهبي للأديان كلها، ماعدا الإسلام!
وأخشى أن يكون ترديده من مكر الطوائف الأخرى بنا، حتى تَبنيَ وجودها على رُفاتنا، وتستطيع أن تملأ الفراغ الحادث بعد ذهابنا.
إن هذه الأيام العديدة تشهد انطلاق أديان كانت مقيدة وعقائد كانت جامدة، بل لقد تحرك مزهوًّا من أمله أن يدفع العار عن نفسه، وحسبُه أن يَظفَر بحق الحياة المجردة!
لننظر إلى اليهودية التي سَلَخت من عمر الزمان فوق ثلاثين قرنًا، هل وجدت أَزهَى من هذا العصر؟ إن العالم أجمع يستمع إليها، وينصت لأسلوبها في عرض الأمور!
هل استطاعت اليهودية خلال عشرة قرون أو عشرين قرنًا أن تجمع فلولها من أقطار الأرض، وأن تقيم لها دولة على أنقاضنا، وأن ترفض بصَلَف رجاء الراجين أن تسمح للعرب بإقامة دُويلة إلى جوارها؟
لقد انتهت قصة اليهودي التائه وبدأت قصة العربي التائه.