84 ـ لماذا كانت قِبلةُ العالم في أرضنا؟
قبل بضعة أسابيع مِن معركة بَدْرٍ وقَعَ حدَثٌ دلالته العميقة في صلة المسلمين بأهل الكتاب؛ فقد كان بيت المَقدس القبلةَ التي يتَّجه إليها أصحاب الأديان السماوية جميعًا، ثم صدر الأمر إلى المسلمين أن يتحوَّلوا مِن بيت المقدس إلى مكة المكرمة.
ما سِرُّ هذا التحوُّل؟
الواقع أن أهل الكتاب ما كانوا سُعداء بالدين الجديد! ولا فَهِمُوا مِن وَحْدةِ القِبْلة أن قَرابةً مُشتركة تَرْبطهم بأتْبَاعِه!
الذي حدث أنهم ضَاقوا أشدَّ الضِّيق بالنبيِّ العربيِّ، وعَدُّوهُ مُنافسًا مَحْذورًا، كأن الأمر صراع على مَغْنَمٍ عاجلٍ أو مَأْرَب قريب!
ولو كان أهل الكتاب مُخلِصين لأديانهم لكان لهم موقف آخر، فإن العرب كانوا عُبَّادَ أصنام حتى عرَّفهم محمدٌ بالإله الواحد، وكانوا يعيشون ليَوْمهم حتى أقنعهم بالعمل لليوم الآخِر، وكانوا لا يَدْرُون شيئًا عن نُبوَّةٍ سبقت حتى حدَّثهم عن موسى وعيسى وغيرهما مِن المُرسلين!
فلِمَ الضيق بهذه الرسالة ومُخاصمة صاحبها؟
بيد أن الأمر تَجاوَزَ الخُصومةَ المُحتمَلةَ إلى ضرْبٍ مِن اللَّدَدِ يُثير الاشمئزاز، تَدَبَّرْ قوله تعالى:
(وَدَّ كثيرٌ مِن أَهْلِ الكتابِ لوْ يَرُدُّونَكُمْ مِن بَعْدِ إيمانِكمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِن عنْدِ أنْفُسِهِمْ مِن بعدِ ما تَبَيَّنَ لهم الحقُّ فاعْفُوا واصْفَحُوا حتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ) (سورة البقرة: 109)
وإذا كانت للمُسلمين مساجدُ تَنْبعث مِن مَنائرها صَيْحات التوحيد وتَستقبل ساحاتُها الرُّكَّعَ السجودَ، فإن أهل الكتاب تَوَاصَوْا بصَرْف الناس عن هذه المساجد وتآمَروا على تهْدِيمها (ومَن أَظْلَمُ مِمَّن مَنَعَ مَساجدَ اللهِ أنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وسَعَى فِي خَرَابِهَا) (البقرة: 114)