90 ـ يرى البعض أن هناك مَملكة في عالَم الغيب تتكون من الأقطاب والأوتاد...الخ تُؤثِّر في عالَم الشهادة، فما قيمة هذا الرأي؟ وما مصادر المعرفة في هذه القضايا وأمثالها؟
العلم الذي يتلقَّاه الناس ويَحظى بينهم بالقبول نوعانِ: دينيٌّ ومدنيٌّ، ولكلٍّ منهما مَصادرُه المحترمةُ بين أهله وحُدودُه التي يُقرُّها خبراؤه والراسخون فيه، والعلوم المدنية متروكة للاجتهاد المُطلق، وأساسها المُلاحظة والتجربة والاستقرار، ولمَّا كانت هذه العلوم مُتصلة بشئون الدنيا فإن دائرتها ليست وَقْفًا على جنس من الأجناس أو عصر من الأعصار، والسباق العالَميُّ فيها يجري دون توقُّف، وقد أفهَمَنا المَعصومُ ـ صلوات الله عليه ـ أننا في هذا الضرب مِن المعرفة الإنسانية أحرارٌ حُريةً تامَّةً، فقال:"أنتم أعلمُ بشُئونِ دُنياكم".
وليت العقل الإسلامي انطلق في هذا الميدان يَبتدع ويَكتشف، ويأتي بالعجائب والغرائب كما صنعت عقولٌ أُخرى، إنه لا يَتقيَّد في حركته هنا إلا بالحقائق التي يَستقر الناس عليها ويَنتهون إليها، وليس للوحي الإلهي دخْلٌ في بُحوثه الكيماوية أو كشوفه الفلكية أو إنتاجه الصناعي الخ.
أما العلوم الدينية فأساسُها العتيدُ النقلُ عن الله ورسوله، وتَستمد مكانتها من قيمة النقل وصحة المعنى، ولذلك قال العلماء: الإسناد مِن الدِّين، ولولاه لقال مَن شاء ما شاء.
ولا يُمكن اعتداد شيءٍ ما دِينًا إذا كان ضعيفَ الصِّلَة بالله ورسوله أو مُنقطعًا! وتتفاوت قِيَمُ الثبوت تَفاوُتًا شاسعًا بين المُتواتر المَقطوع به، وأخبار الآحاد المُعتلَّة التي يرفضها البعض أو التي يترخَّص البعض في قبولها عندما تتعلَّق بفضائلَ أو بمناقب الرجال. على أن ما استقرَّ عليه الأمر في دوائر التشريع أن الأحاديث الضعيفة ليست مصدرًا لحُكمٍ شرعيٍّ عمليٍّ، وأن القُضاة والمُفتِين في حِلٍّ من التقيُّد بها دون تكبُّر ولا تأثيم.