35 ـ ما أهمية القصص في القرآن؟
وهل لها أصل تاريخي؟
وما الحكمة في تكرارها؟
لابد من دراسة الماضي والتفرُّس في أحداثه، فإن هذه الأحداث ليست مِلْكًا لأصحابها، وإنما هي مِلْك الإنسانية جميعًا، يدرُسها الخَلَف ليستفيدوا منها العِبَر، ويستخلصوا منها النتائج، ويضعوها نُصْبَ أعينهم وهم يُخَطِّطون للحاضر والمستقبل على سواء.
وظاهرٌ أن سِيَر الأفراد والأمم يخضع لسُنَن دقيقة، وأن ازدهار الحضارات وانطفاءها وبقاء الدول أو فناءها لا يتم خَبطَ عشواء! وإنما يقع وَفْقَ قوانين صارمة! بل إن القوانين الاجتماعية لا تقل عن القوانين العلمية دقّةً واطِّرادًا، ومن ثَمّ كان تجاهل هذه القوانين وخيمَ الآثار.
وقصص القرآن الكريم جزء من التاريخ المهم، ومعرفتها حصانة للباحثين لا يستغني عنها ذو لُبٍّ، قال تعالى: (كذلك نقُصُّ عليكَ من أنباءِ ما قد سبَق وقد آتيناكَ مِنْ لَدُنّا ذِكْرًا) (طه: 99) .
وقد لام ـ سبحانه ـ الغافلين عن هذا التاريخ وما وَعَى من مصارع الظلَمَة وهلاك المفسدين (أفَلَمْ يَهدِ لهم كم أهلَكنا قبلَهم من القرونِ يَمشون في مساكنِهم إن في ذلك لآياتٍ لأُولي النُّهَى) (طه: 128) .
وقال: (تلكَ القُرَى نقُصُّ عليكَ من أنبائِهَا ولقدْ جاءَتْهم رسلُهم بالبيناتِ فما كانوا ليؤمنوا بما كذَّبوا من قبلُ كذلك يَطبَعُ اللهُ على قلوبِ الكافرينَ) (الأعراف: 101) .
وتتشابَه القوانين الاجتماعية والقوانين الكونية في عمومها وانطباقها على شتى الأمكنة والأزمنة، فقانون الأجسام الطافية مثلًا يشمل جميع الأنهار والبحار. وانهيار الأمم لشيوع الفوضى والفساد يتناول شتى الأجناس والعصور. وقد هدَّد الله العرب بالمصير الكالح إذا بقُوا على عنادهم ومكرهم: (ولا يَحيقُ المكرُ السيئُ إلا بأهلِه فهل يَنظُرون إلا سُنةَ الأولين فلن تَجدَ لسنةِ اللهِ تبديلًا ولن تَجدَ لسنةِ اللهِ تحويلًا) (فاطر: 43) .