43 ـ ما حاجة الإنسان إلى الإيمان باليوم الآخر؟
وما أثر إنكاره على السلوك الإنساني؟
إذا طال الكلام عن الدار الآخرة فلا يأمن أحد! فإن توارث الذهول عنها أمات الشعور بها، حتى قال الحسن البصري عن الموت وهو أول مراحلها: ما رأيت حقًّا أشبه بباطل من الموت.
وكل حقيقة يجب أن نعترف بها خصوصًا عندما تتصل هذه الحقيقة بمستقبلنا، وعندما يكون الشاطئ عميقًا ثم تترك غِرًّا لا يُحسن السباحة ينزل فيه، فإنك قاتله!
قد نستغني عن بعض الحقائق وإن كان الجهل بها عيبًا ما دامت لا تمسنا، أما إذا ارتبط كياننا المادي والأدبي بشيء ثم غفَلنا عنه فهنا الطامّة!
إنني أتخيل فجيعة الجاحد عندما يحُس فجأة أنه مكتمل الحواس أمام غيب تحول إلى شهادة! أمام أمر كان يَهزَأ منه فإذا هو جدار يَصدَع دماغه! لقد وقف وجهًا لوجه أمام ما كان ينكره بقوة (وجاء ربُّك والمَلَكُ صفًّا صفًّا. وجيء يومئذ بجهنم يومئذ يتذكَّر الإنسانُ وأنَّى له الذكرى. يقول يا ليتني قدمتُ لحياتي) (الفجر: 22 ـ 24) .
ليت! وهل ينفع شيئًا ليت؟
إنه أضاع ماضيه في الحياة الأولى سُدَى، وها هو ذا يَحصُد ما زرع! ما فكَّر قط في هذا اليوم ولا أعدَّ له عدَّة، ومع التأوه والندامة (يقول يا ليتني قدمت لحياتي) وهيهات.
وهناك شخص آخر كان في دنيا الناس يذكر الله ويغالب النسيان، ويستعد لمواجهة عاصفة، فهو يترك فراشه منطلقًا إلى المسجد، يُغمِض عينيه عن المفاتن المبذولة، يَستعِف عن المحرمات وإن كثرت حولها المغريات.
إنه ـ يوم الحساب ـ يَتلقَّى نبأ نجاحه فيصيح جَذْلان مسمِّعًا كل إنسان: (هاؤُمُ اقرءوا كتابيَهْ. إني ظننتُ أني مُلاقٍ حسابيهْ. فهو في عيشةٍ راضية. في جنةٍ عالية. قطوفُها دانية. كلوا واشربوا هنيئًا بما أسلفتم في الأيام الخالية) (الحاقة: 19ـ24) .
إنها فرصة العمر، بل فرصة الخلود! شتان بين مصير ومصير!