65 ـ أصحيح أن الفتوح الإسلامية تعود إلى عوامل قومية أكثر مما تعود إلى عوامل اقتصادية أو دينية؟
لا ريب أن الفتوح الإسلامية كانت شيئًا خارقًا للعادات، ولو أنك سألت أعرابيًّا قبل بعثة محمد أو إبّانها: هل تفكرون في غزو فارس أو الروم؟ لظنَّ بك مسًّا.
إن هذا لا يريد أحلام النيام! إنه كالهبوط إلى القمر بغير وسائل علمية!
لكن الواقع الذي لا يمكن إنكاره أن العرب ـ بعد ما أسلموا ـ هزموا الفرس والروم معًا في جبهتين متعاصرتين، واحتلوا بلادهم في وقت واحد!
إن القبائل الهائمة على وجهها في صحراء الجزيرة قامت لها فجأة دولة تحت عَلَم التوحيد، لم تَسلُخ من عمرها بضع سنين بعد وفاة صاحب الرسالة حتى شرَعت تصارع الدولتين العملاقتين، وتُلحق بهما هزائم أبدية!
ماذا حدث في دنيا الناس؟
إنها معجزة ما عرف خبرها إلا محمد وحده، الذي أقسم بربه أن تُنفَق كنوزهما في سبيل الله؛ قال عليه الصلاة والسلام:"إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصرَ بعده، فو الذي نفسي بيده لتُنفِقُنَّ كنوزَهما في سبيل الله تعالى".
إن الإنسان الملهَم العابد المجاهد هو صاحب هذا التغيير الحاسم في تاريخ البشر، لقد جعل القمم سفوحًا والسفوح قممًا، وبين أن الهَمَل يستطيعون الوصول إلى أعلى السلم بالعلم والتربية، وأن الملوك يتحولون إلى عبيد بالترَف والمعصية.
ولقد ثبت لكل ذي بصيرة أن محمدًا وحده هو الإنسان الأول أو القيمة الأولى في تاريخ الحياة من أزلها إلى أبدها.
غير أن أغلب المستشرقين أبى الاعتراف بهذه الحقيقة ورأى أن يلتمس تفسيرًا لما حدث فقال: إن جفافًا سيئًا حل بجزيرة العرب على عهد البعثة المحمدية وعقبها جعل العرب يتحولون إلى جيرانهم زُرَافاتٍ ووُحْدانًا يطلبون القوت، ويفرون من المجاعة إلى أرض الهلال الخصيب في سوريا والعراق.
ويبدو أن خبر هذه المجاعة العربية نمَى إلى المستشرقين وحدهم فلم يذكره أحد من الناس!