ولنفرضْ جدلًا أن مجاعةً وقعت! هل إذا حل قحط بسويسرا أغارت عسكريًّا على روسيا والولايات المتحدة ابتغاء القوت؟
لماذا قلتُ: سويسرا؟
هل إذا حل قحط بالكونغو ناوش الدولتين العظميين في العالم، واحتل أرضهما سعيًا وراء الرزق؟
هذا تفكير سُكَارى!
ثم تذكرت أن في كتبنا القديمة كلامًا قد يكون من وراء هذا الهَذَيان، قرأت في وصف إحدى المعارك بفارس أن المسلمين بعد انتصارهم استَولَوْا على غنائم كثيرة من بينها فطائر ورقائق، فقال أحد الجنود: لو لم نقاتلهم على هذا الدين لقاتلناهم على هذا الرقاق.
قلت ساعتها: هذه نكتة، مثل ما يصدر عنا ـ نحن المصريين ـ من دعابات، ولم أكن أدري أن الأب"لامانس"سيتخذ من هذا الكلام دليلًا على أن للفتح العربي أسبابًا اقتصادية!
ومثل ذلك ما قاله"رستم"للمغيرة بن شعبة في أثناء المفاوضات بين الفرس والعرب:
قد علمت أنه لم يحملكم على ما أنتم فيه إلا ضيق المعاش وشدة الجَهد، ونحن نعطيكم ما تتشبعون به ونصرفكم ببعض ما تحبون.
وهذا كلام هزل! فإن رستم يعلم أن كتابًا جاء سيدَه كسرى من بضع سنين يدعوه إلى الإسلام، مُرسِلُه هو محمد ـ عليه الصلاة والسلام ـ وأن أتباع هذا النبي جاءوا اليوم بالدعوة ذاتها، وهم مستعدون للعودة إلى بلادهم إذا ما اقتنع الفرس بها.
فما مكان هذا الطعام المعروض؟ ومن الذي طلبه؟ ومن الذي يقبله؟ إنه كلام هزل!
وكتب التاريخ لدينا تروي الغث والسمين، وقد نبه الطبري قرَّاءه إلى ذلك حتى لا يُخْدَعوا بكل ما يرويه.
ولو صدقنا جدلًا ما حكاه الطبري ـ بسند تافه ـ أن خالد بن الوليد قال لرجاله: ألا ترون إلى الطعام كرفع التراب؟ بالله لو لم يَلزَمْنا الجهادُ في الله والدعاءُ إلى الله ـ عز وجل ـ ولو لم يكن إلا المعاشُ لكان الرأيُ أن نُقارع على هذا الريف حتى نكونَ أولَى به ونولِّيَ الجوع والإقلال من تولاه ممن اثَّاقل عما أنتم فيه!