إن هذا الكلام ـ لو صح ـ لكان ضربًا من المُزاح أو لفت النظر إلى ما في أيدي الكافرين من نعماء ليسوا أهلًا لها؛ لأنهم لم يشكروا الله عليها ولم يؤدوا حقه فيها.
ويستحيل أخذ العبارة على ظاهرها القريب؛ لأن الأدلة قائمة أمام عيون المؤمنين على أن القتال طلبًا للغنيمة جريمة، وأن المجرمين لا يُفتح لهم ولا يُفتح عليهم، فعن أبي هريرة أن رجلًا قال: يا رسول الله، رجل يريد الجهاد في سبيل الله وهو يبتغي عرضًا من الدنيا! فقال:"لا أجر له"فأعاد عليه ثلاثًا، كل ذلك يقول:"لا أجر له".
وروى مسلم في صحيحه خبر أول ثلاثة يدخلون النار يوم القيامة، وبعد أن ذكر القارئ المرائي والمتصدق قال:"ثم يؤتَى بالذي قُتل في سبيل الله، فيقول اللهُ له: في ماذا قُتِلتَ؟ فيقول: أمَرتَ بالجهاد في سبيلك فقاتلتُ حتى قُتِلتُ. فيقول الله تعالى له: كذبتَ. وتقول له الملائكة: كذبتَ. يقول الله له: بل أردتَ أن يقال: فلان جريء. وقد قيل ذلك"ثم ضرب رسول الله على ركبة أبي هريرة فقال:"يا أبا هريرة أولئك الثلاثةُ أولُ خلقِ اللهِ تُسعَّر بهم النارُ يوم القيامة".
قال شُفيٌّ الأصبحي: فأخبرتُ بهذا الحديث معاويةَ فبكى بكاء شديدًا حتى ظُنَّ أنه هالك، وقال: قد فُعل بهؤلاء ذلك فكيف بمن بقي من الناس! وتلا قوله تعالى: (من كان يريدُ الحياةَ الدنيا وزينَتَها نُوَفِّ إليهم أعمالَهم فيها وهم فيها لا يُبخَسون. أولئك الذين ليس لهم في الآخرةِ إلا النارُ وحَبِط ما صنَعوا فيها وباطلٌ ما كانوا يعملون) (هود: 15،16) .
إن الصحابة جميعًا والتابعين معهم يعلمون أن القتال طلبًا لمغنم دنيوي مَهلَكة للدين، ومن ثَمّ خرجوا للجهاد ونفوسهم خالية من طلب الدنيا مقبلة على طلب الآخرة، وذاك سر فلاحهم ونصرهم على عدوهم!