فهرس الكتاب

الصفحة 284 من 566

55 ـ كيف يُقيم المسلمون دولة إسلامية واحدة؟

(إن هذه أمتُكم أمةً واحدةً وأنا ربُّكم فاعبدونِ) (الأنبياء: 92) .

هذه الآية أول شيء على صفة أمتنا وفحوى رسالتها. إنها أمة أورثها الله كتابه وأوصاها أن تعمل به وتدعوَ إليه، وأن تجعل وجودها المادي والأدبي مربوطًا بحقائق الوحي الأعلى وترجمةً عملية لمراد الله من خلقه (الذين إن مكّنّاهم في الأرضِ أقاموا الصلاةَ وآتَوا الزكاةَ وأمَروا بالمعروفِ ونَهَوْا عن المنكَرِ) (الحج: 41) .

وقد بقيت علاقة الأمة المصطفاة قائمة برسالتها تلك على تفاوت مثير، أحيانًا تَقوَى فلا يُعجزها شيء وأحيانًا تَهِي فيَغلبُها الذَّرُّ!

ومع التأمل في التاريخ الإسلامي أستطيع القول: إن بقاء المسلمين إلى يوم الناس هذا يرجع قبل كل شيء إلى حفظ الله تبارك اسمه، ثم إلى وفاء الجماهير العميق لدينها، ثم إلى جهاد الفقهاء والدعاة والمُرَبِّين!

أما التاريخ السياسي فرُكام من الأقذاء نما على مر الأيام وبلغ ذروته في هذه السنين العجاف! وإن كان يظهر بين الحين والحين خليفة أو ملك يمسح القَذَى ويمهد الطريق ويَكبِت العدو!

لقد شقت الأمة طريقها بقوة على عهد الخلافة الراشدة، وكانت الجماهير والحكام جسدًا وروحًا لا فِكَاك بينها.

ثم اضطربت أجهزة الحكم العليا ودخلها خلَل مزعج، أيام الدولة الأموية وصدر الدولة العباسية، ومع ذلك رأى جمهرة العلماء والدعاة أن يُبقُوا الأمة موحدة الصف والهدف وراء أولئك الحكام، فكان المسلمون أمة واحدة وخلافة واحدة تقريبًا.

ثم نبتت إلى جوار الجذع الغليظ سيقانٌ أخرى ما لَبِثت أن اشتدت وتحولت إلى جذوع قوية، ومن هنا قامت دول إسلامية شتى، فشاعت الفرقة والضعف!

والحق أن مأساة الإسلام الأولى لم تجئ من كثرة حكوماته قَدْرَ ما جاءت من تفاهة الحاكمين ونُدرة مواهبهم، وسقوط منصب الخلافة بين أناس لا يَصلُحون لإدارة قرية صغيرة أو شركة محدودة!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت