فهرس الكتاب

الصفحة 294 من 566

57 ـ متى تقام الحدود؟ وهل هي صالحة لكل عصر؟

الإنسان ليس ملاكًا معصومًا، ومن ثَمّ لا نَستغرب وقوع الخطأ منه، وإذا أخطأ فلا ينبغي أن نبادر إلى قمعه بوحشية وإظلام حاضره ومستقبله.

والشارع الأعظم يعلم هذه الطبيعة البشرية، ويمهد له طريق التوبة والتسامي (واللهُ يريدُ أن يتوبَ عليكم ويريدُ الذين يَتَّبعون الشهواتِ أن تَميلوا ميلًا عظيمًا. يريدُ اللهُ أن يُخفِّفَ عنكم وخُلِق الإنسانُ ضعيفًا) (النساء: 27،28) هذه حقيقة لا ريب فيها.

وهناك حقيقة أخرى لا ننساها؛ إن كل امرئ يحب أن يعيش آمنًا في سِرْبه، وافرًا في دمه وماله وعرضه، وإن انحرافات المخطئين لا يجوز أن تتحول إلى وباء يعصف بالأمن ويجتاح الحرُمات!

والإسلام عندما يضع عقوبة لخطيئة ينظر إلى هاتين الحقيقتين.

قد يَعذِر العاصيَ ويَلتمس له الدواء! ولكنه لا يَأذَن أبدًا للجريمة أن تعكر الصفو وتنشر الخوف.

ومن أجل ذلك وضع الحدود، ودرأها بالشبهات، ووقَفها بالتوبة إذا رأى القاضي (نحن نتابع ابن تيمية في هذا الكلام ونرى الحق معه) .

إن من تورط فيها ثائر على نفسه، نادم على سقطته، وإن عودته إليها مُسْتَبْعَدة، وإن مستقبله هو الصلاح والاستقامة.

إن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ حاول أن يُثنيَ ماعِزًا، غفر الله لنا وله، عن اعترافه ورأى أن توبته تطهِّره، ولكن الرجل كان مهتاج الأعصاب لِمَا بدَر منه، وأراد أن يطهر نفسه بالرجم فتركه النبي الكريم وما يريد!

على حين أَذِن لمن صلى معه أن ينصرف بما اقترف، فقد طهَّرته صلاته أو اعتُبِرَت توبةً له.

لكن إذا اضطرب حبل الأمن، أو رأى القاضي أن المذنب قاسٍ مَخُوف الغدر فإن الحفاظ على المجتمع ومؤاخذة المجرم الجسور توجبان الضرب على يده وحماية الناس من شره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت