44 ـ ما أثر الإيمان على الأخلاق والسلوك والضمير، على ضوء ما يحدث في الدول المتقدمة التي تأخذ بالعقل ونتائج العلوم فقط؟
لا نستطيع إنكار المدى الكبير الذي بلغته الحضارة الحديثة في اكتشاف أسرار الكون! إنها حضارة ذكية العقل واسعة المعرفة، وقد طوَّعت ما بلغته إلى تقدم صناعي باهر طَفَر بالإنسانية طفرة رحيبة ورهيبة، في جميع المجالات المدنية والعسكرية.
ولكنّ هناك إحساسًا عامًّا بأن هذا التقدم المادي لم يواكبه تقدم روحي، وأن إنسان العصر الحديث لا يختلف كثيرًا عن إنسان العصر الأول في غرائزه وشهواته!
وإذا كانت ثمة فروق ففي الوسائل لا في البواعث والغايات، بل لقد قيل في إنسان العصر الحاضر: إن عضلاته أكبر من عقله.
والواقع أن الإنسان يتضاعف شره عندما يكون حاد الذكاء حقير الخُلُق، وطالما ردَّدنا أن الإسلام عقل يرفض الخرافة، وقلب يكره الرذيلة!
إن الكمال الحقيقي امتداد ونضج في جميع المَلَكات الإنسانية، وهذا التوازن أساس لابد منه لقيام مجتمع رشيد، وحضارة يانعة الثمار مديدة الظلال، فهل الحضارة الحديثة بعد تلك المقررات جديرة بالخلود؟ أو هي أرجح من غيرها في موازنة منصفة؟
الحق، لا؛ فالرجل الأبيض قائد هذه الحضارة ورائدها إنسانٌ طافح الأنانية، يشده إلى منافعه ألف رباط، وقبل أن نشرح شَرَهه المسعور واستعلاءه على غيره نذكر أحد مظاهر الحضارة الإسلامية القديمة:
فالعرب الفاتحون قدموا الإسلام للأعاجم، ونقلوهم به من الظلمة إلى النور، وبعد رَدْح من الزمان كان هؤلاء يُصلُّون وراء الأتقياء من شتى الأجناس، ويَتلقَّوْن عنهم العلوم الدينية دون غضاضة أو كبرياء.
فالبخاري هو المحدث الأول، وأبو حنيفة الفقيه الأول، والحسن البصري المربي الأول، وسيبويه اللغوي الأول... الخ
ولم يشعر المصريون بأي ضيق من أن يقودهم"قطز"في معركته الهائلة ضد التتار بعين جالوت، وما خامرهم حرج في أن يقودهم صلاح الدين ضد الصليبيين في حطين.