36 ـ ما تفسير الآيات التي قد تصف الله سبحانه وتعالى وصفًا ماديًّا، مثل"وجاء ربُّك والمَلَكُ صفًّا صفًّا"؟
جلستُ يومًا أفكر: ما أنا بين الناس؟
قلتُ: واحد من ألوف مؤلفة تسكن هذه الأرض!
سألت مرة ثانية: ما أنا بين مَن سكنوها منذ الأزل ومن يسكنونها آخر الدهر؟
فشعرت بأني أتضاءل، وأن وجودي يصغر!
سألت مرة ثالثة: ما أنا بين شتى العوالم؟
إن أرضنا التي نحُس ضخامتها ذرةٌ محقورة بين أسراب لا تُحصَى من الكواكب الثابتة والدوارة، وما يقدر العلماء أبدًا على معرفة حدود هذا الكون، ولا أن يعرفوا ما يَزخَر به من أحياء!
وشعرت بأني أزداد تضاؤلًا، وقلت: يجب أن أعرف قدري، وألاّ أعدُوَ حَدِّي، إن الغرور جريمة علمية قبل أن تكون جريمة خلقية.
وراقبت بعض الحشرات السارحة في عالمها الخاص بها وقلت: أتَدري عن عالم الإنسان شيئًا! أتَعرف ما يجول في فكره! أتَعرف ما يَبحث من قضايا وما يَقرأ من كتب!
كلاّ، كلاّ، أنَّى لها هذا!
قلت: إن علمي بحقائق الألوهية كعلم هذه الحشرات بحقيقتي! ينبغي أن أعرف قَدْري وألا أَعدوَ حدِّي! إنني نقطة مغموسة في مساحات رهيبة من الزمان والمكان، كيف تحاول قطرة في تُرعة أن تستوعب البحار والمحيطات وتشرف على اللُّجَج والأنواء!
ورحت مع أبي القاسم القُشيري أناجي ربي بهذه الأبيات:
يا مَن تقاصَرَ شكري عن أياديهِ وكَلَّ كلُّ لسانٍ عن معاليهِ
وُجُودُه لم يَزَلْ فردًا بلا شَبَهٍ علَا عن الوقت ماضيهِ وآتيهِ
لا دهرَ يُخلُقُهُ، لا قهرَ يَلحَقهُ لا كشفَ يُظهرُهُ، لا سرَّ يُخفيهِ
لا عَدَّ يجمعهُ، لا ضدَّ يمنعهُ لا حدَّ يقطعُهُ، لا قُطرَ يَحويهِ
لا كونَ يحصُرُهُ، لا عونَ ينصُرُهُ وليسَ في الوهمِ معلومٌ يُضاهيهِ
جلالُهُ أزليُّ لا زوالَ لهُ ومُلْكُهُ دائمٌ لا شيءَ يُفنيهِ