فهرس الكتاب

الصفحة 188 من 566

إن القرآن الكريم حسم طيش الخيال عندما قال في التنزيه والتجريد: (ليس كمِثلِه شيءٌ وهو السميعُ البصيرُ) ونحن من بعيد قد نَشِيمُ لَمَعانَ البرق، وقد يمر بعقلنا طيف عن أمجاد الألوهية لا ندري مأتاه، ومع ذلك فإن هذه الخطوات العابرة لا تغني شيئًا، بل هي كما قال أبو الفتح البُستي:

كَلَّ مَن يرتقي بوهمٍ من جلال وقدرة وسناءِ

فالذي أبدع البرية أعلى منه، سبحانَه مُبدِعُ الأشياءِ

إنني أعُدُّ الباحثين في ذات الله مرضى! فنحن على تفاهتنا لا نعرف من نحن فكيف نعرف الذات العليا؟

والأفهام البشرية في ذات الله تفاوتت تفاوتًا بعيدًا بين التجسيد والتجريد، فكُتّاب"العهد القديم"صوَّروا الله يبكي ويندم ويمشي ويقعد ويأكل ويشرب ويضرب إلى جانب ما له من صفات رفيعة.

من أغرب الصور أنه جلس مستلقيًا على قفاه متمددًا على الأرض واضعًا قدمًا فوق أخرى!

وفلاسفة اليونان المؤلِّهون ـ في مقدِّمتهم أرسطو ـ صوَّروا الله منزَّهًا عن كل شيء، حتى عن الصفات التي يَعلَم بها ويَقدِر بها، فهو عالم بذاته قادر بذاته. وبالغوا في التجريد حتى كأن الله معنًى لا ذات!

فإذا تجاوزنا الأفهام البشرية إلى الوحي الأعلى، واستمعنا إلى القرآن الكريم وجدنا أوصافًا تقرِّب معنى الألوهية إلى الحس الإنساني من غير تجسيد، وتبلغ بها كمالًا لا يتناهى من غير تجريد.

المسلم يقرأ قوله تعالى: (ولقد خلَقنا الإنسانَ ونَعلَمُ ما تُوسوِسُ به نفسُه ونحن أقرَبُ إليه من حَبلِ الوَريدِ) (ق: 16) فيشعر بأن الله قريب منه مُطَّلِع على دخيلته، ومع ذلك فهو يعلم أن الله مستوٍ على عرشه محيط من وراء خلقه.

إنه يُحس بالله دون أن يُجسده، ويُنزِّه الله دون أن يَفقِده.

والإيمان الحقيقي أن تشعر بأن أصابع القدرة هي التي تحرك قلبك فيدق ومعدتك فتهضم!

ماذا قلت؟ أصابع القدرة؟ هل للقدرة أصابع؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت