فهرس الكتاب

الصفحة 189 من 566

هنا ندخل في مبحث قديم، قتله المتقدمون تقعرًا وجدلًا وانقسموا فيه فرقًا. أما أنا فأمرُّ به مرَّ الكرام! وقد قلت في كتابي"مشكلات": أنا مع السلف من غير تجسيم ومع الخلف من غير تعطيل.

لقد كان طبيعيًّا أن تجيء في القرآن الكريم وفي السنة المطهرة جملٌ يتهيب العقل الغوص في معناها مثل: (فأينما تُولُّوا فثَمَّ وجهُ اللهِ) (البقرة: 115) (ما منَعَك أن تَسجُدَ لما خلَقتُ بيدَيّ) (ص: 75) (واصبِرْ لحُكمِ ربِّك فإنك بأعينِنا) (الطور: 48) .

وقد نبَّه القرآن منذ أُنزِل إلى أن هناك آياتٍ ينبغي التسليم بها، لأن حقيقتها فوق الفكر العادي، ومن الزيغ إكثارُ اللَّجاجة حولها. لكن العناد والفراغ خلَقا طوائفَ لا شغل لها إلا هذا اللغو، فكانت بلاء على الأمة ولا تزال!

إن اللغات على كثرتها من وضع البشر، وقد ألَّفوها ليعبروا بها عما يريدون من معانٍ وما يستخدمون من أدوات، وشئون الألوهية فوق اللغات وفوق واضعيها، فإذا أفهمنا الله بلغاتنا شيئًا يتصل بذاته العليا فعلى أسلوب التنزيل والتقريب.

وإذا كان عبد الله بن عباس يقول: إنه ليس في الدنيا من أوصاف الجنة إلا الأسماء. يعني أن الحقائق لم ترها عين ولم تسمعها أذن، فكيف بالحديث عن رب العالم وخالق الجنة والنار‍!

إن الرغبة في فهم حقيقة العرش وحملته، أو كيف يجيء الله في ظُلَل من الغمام، وكيف يجيء والملائكة صفًّا صفًّا ـ هذا كله نَهَمٌ مردود، ومجازفةٌ الذاهبُ فيها مفقود، ومن الخير أن يعرف العقل أين يُنتِج فيتحرك، وإلا سكن!

وقد كنا ونحن طلاب ندرس مذهبَي السلف والخلف بهدوء، وبغتةً لاحظت في أيامنا تحاقدًا بين ناس يتبعون السلف وناس يتبعون الخلف، والأمة الإسلامية تكاد تسقط من الإعياء ومن ضربات الأعداء، فعجبت لانفجار الخصومة في هذا الوقت العصيب!

وقد رأيت أن أُثبت كلامًا للدكتور الشيخ محمد عبد الله دراز في الموضوع لعله يخفف من هذا البلاء قال:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت