وأثر الإيمان باليوم الآخر عميق في التربية النفسية والاجتماعية، إنه يتحمل حينًا ليظفر بالراحة بعد حين!
كما قيل لأعرابي: تصوم في هذا اليوم الحار؟ قال: أصومه ليوم أحرَّ منه!
وتعليل النفس بالآمال عون على الرضا بالمتاعب، وحبسها على ما تكره لتنال ما تحب! وكما قال الشاعر:
مُنًى إن تكنْ حقًّا تكنْ أسعدَ المُنَى وإلا فقد عشنا بها زمنًا رغدًا
وهذا الاستثناء بالنسبة إلى الآخرة مرفوض، فإن الدار الآخرة أحق وأثبت من الدار الأولى، على نحو ما ذكر العارفون: الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا.
ومن هنا صح وصفها بما يدل على زيادة الحس في قوله تعالى: (وإن الدارَ الآخرةَ لهي الحيوانُ لو كانوا يعلمون) (العنكبوت: 64) والحيوان كالفيضان مصدر على سعة المعنى.
وقد كثرت في القرآن الكريم المواطن التي تُذكر فيها الآخرة لتصحيح السلوك في هذه الدنيا أو تزكيته وترقيته، فعندما ضاقت زوجات النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بمعيشته الخشنة قيل لهن: الأمر على غير ما أَلِفتُنَّ قديمًا، لقد جِئتُنَّ من بيوت حافلة بالسعة والمتاع إلى بيت لا سرف فيه ولا ترف! إنه بيت الكفاح والخشونة! بيت التلاوة والتهجد! لا بد لرب هذا البيت أن يكون قدوة للمضطهَدين والمحاصَرين، ومن صُودِرَت ثرواتهم وفقَدوا طُمَأنينتهم لنصرة الإسلام!
من طلب متعة الحياة فلا مكان له هنا، ومن رنا إلى الآخرة وسعى لها سعيها فليَبقَ موطِّنًا نفسه على حياة ناشفة: (يا أيها النبيُّ قل لأزواجِك إن كنتنَّ تُرِدْنَ الحياةَ الدنيا وزينتَها فتَعالَينَ أُمتِّعْكنَّ وأُسرِّحْكنَّ سَرَاحًا جميلًا. وإن كنتنَّ تُرِدْنَ اللهَ ورسولَه والدارَ الآخرةَ فإن اللهَ أعَدَّ للمحسِناتِ منكنَّ أجرًا عظيمًا) (الأحزاب: 28،29) .
وجمهور الناس قد يحُس غُصَّة وهو يرى المرتشين والمفسدين أو الملحدين المجرمين في طول البلاد وعرضها، عليهم شارة النعمة وأمارة القوة.