فهرس الكتاب
وقد يكون ذلك مبعث فتنة لأهل التقى والعفاف، لكن الله سبحانه يمحو ذلك محوًا عندما يقول: (لا يغرَّنَّك تقلُّبُ الذين كفروا في البلاد. متاعٌ قليلٌ ثم مأواهم جهنمُ وبئس المهادُ. لكنِ الذين اتَّقَوا ربَّهم لهم جناتٌ تجري من تحتها الأنهارُ خالدين فيها نزلًا مِن عندِ اللهِ وما عندَ اللهِ خيرٌ للأبرارِ) (آل عمران: 196ـ 198) .
ومن مشاهد القيامة مشهد يتكرر في القرآن كثيرًا ليحارب ظاهرة مؤذية تسود الأمة العربية والإسلامية من زمان غير قريب؛ حكام الجَور الذين يتهافت حولهم الأتباع ليؤازروهم على ظلمهم ويشاركوهم في منافعهم الحرام.
إن التَّبِعة في الفساد والإفساد مقسَّمة على الفريقين قسمة عادلة، لأن هؤلاء يُوحُون وأولئك يُنفِّذون، الرءوس والأذناب شركاء في اقتراف الجرائم وفتنة المستضعفين وإثارة الفتن، ومن هنا جمعهم مصير واحد.
وتَدبَّرْ قوله تعالى يصف هذا المصير ويذكر ما يقع فيه من حوار: (هذا وإن للطاغين لشَرَّ مآبٍ. جهنمَ يَصلَونها فبئسَ المهادُ. هذا فليَذُوقوه حميمٌ وغَسّاقٌ. وآخَرُ مِن شكلِه أزواجٌ. هذا فوجٌ مقتَحِمٌ معكم لا مرحبًا بهم إنهم صالو النارِ. قالوا بل أنتم لا مرحبًا بكم أنتم قدَّمتموه لنا فبئس القرارُ. قالوا ربنا مَن قدَّم لنا هذا فزِدْه عذابًا ضِعفًا في النار) (ص: 55ـ61)
إن الكبراء عندما يرون الأذناب يلحقون بهم في دار الجحيم تسوؤهم اللُّقْيَا ويصيحون مستنكرين مرآهم! لطالما هشُّوا لهم في الدنيا وسارعوا إلى لقائهم، أما اليوم فإن الفريقين يتبادلان السخط والتشاؤم وعدم الترحيب!
ويتذكر الفريقان أنهم كانوا يتفقون على إهانة المؤمنين ونعتهم بأقبح النعوت، ويتظاهرون على اضطهادهم وأذاهم، أين هم الآن؟
وقالوا: (ما لنا لا نَرى رجالًا كنا نعُدُّهم من الأشرار. أتَّخذناهم سِخريًا أم زاغت عنهم الأبصارُ. إن ذلك لحقٌّ تخاصمُ أهلِ النار) (ص: 62ـ64) .