وسنن الله الكونية لا تُحابي أحدًا، وكذلك سُنَنُه التاريخية والحضارية، وهي مُنْطَبِقَة على المؤمنين والكافرين دون استثناء، وقد وقعت محنة (أحد) لأن المسلمين لم يلتزموا النصر، بيد أن الهزيمة الطارئة لن تُغَيِّر مستقبل الضلال وإن واتتْه مؤقتًا ظروف مساعدة، قال تعالى: (قد خَلَت من قبلِكم سُننٌ فسِيروا في الأرضِ فانظروا كيف كان عاقبةُ المكذِّبين. هذا بيانٌ للناسِ وهدًى وموعظةٌ للمتَّقين. ولا تَهِنوا ولا تَحزَنوا وأنتم الأَعلَونَ إن كنتم مؤمنين. إن يَمسَسْكم قَرْحٌ فقد مَسَّ القومَ قَرْحٌ مِثْلُه وتلك الأيامُ نداولُها بين الناسِ) (آل عمران: 137ـ140) .
وقد تضمَّن القرآن الكريم عدَّة قوانين اجتماعية وعمرانية حاسمة ساقها في تضاعيف القصص التي ذكرها أو في خواتيمها، مثل قوله سبحانه: (تلك الدارُ الآخرةُ نجعلُها للذين لا يريدون علوًّا في الأرضِ ولا فسادًا والعاقبةُ للمتقين) (القصص: 83) وقوله: (إنه من يَتَّقِ ويَصبرْ فإن اللهَ لا يُضيعُ أجرَ المحسِنينَ) (يوسف: 90) وقوله: (كذلك يَضربُ اللهُ الحقَّ والباطلَ فأما الزَّبَدُ فيَذهَبُ جُفَاءً وأما ما يَنفَعُ الناسَ فيَمكُثُ في الأرضِ) (الرعد: 17) الخ.
إن القصص القرآني سردٌ واعٍ مُوَجِّهٌ للتاريخ الإنساني، ليس الغرض منه الإلهاء والتشويق، بل الغرض منه التربية والتوعية، وتجديد المعاني بعد انتهاء أهلها لتكون عظة دائمة!
وقد شاع أدب القصة في عصرنا شيوعًا يستحق الدهشة، وامتلأت الأيدي بروايات يقرؤها حاملوها ليقطعوا الوقت أو يلتذوا بحسن العرض! وجملة هذه الروايات من نسج الخيال، وقد تكون ذات مَغزًى جيد، وقد تكون إثارة وَضِيعة.
والبَونُ شاسع بين هذه الأقاصيص وبين التاريخ الذي يجسده القرآن الكريم ويغزو به الألباب والبصائر ليمحوَ الغفلة ويرفعَ المستوى ويضيءَ السبل، البَونُ بعيدٌ بعيد.