فلمْ يَبْقَ بعدئذٍ مَسَاغٌ لمُشاركة هؤلاء الحاقدينَ قِبْلَتَهُمْ، وانْبعثَتْ في نفس الرسول الكريم الرغبةُ في الاتجاه إلى القبلة الأولى، إلى الكعبة التي بناها جدُّه الأكبر إبراهيم الخليل، ولكنَّه لا يستطيع ذلك إلا بإذْن من الله، فلْيَنتظرْ ولْيُؤَمِّلْ!
ثم جاء على تَلَهُّفٍ وشوْقٍ الأمرُ الإلهيُّ (قد نرَى تَقلُّبَ وَجْهِكَ في السماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المَسجدِ الحَرامِ) (البقرة: 144) فاتَّجه المسلمون إلى الكعبة المُشرَّفة بعد قُرابة سبعة عشر شهرًا من الصلاة إلى بيت المقدس
كانت هذه المُدة كافيةً لفَضْح ضغائن اليهود، وأَثَرَتِهِمْ المُفرِطة، وظنِّهم أن الدِّين مُؤسسة احتكارية يُديرها حُكماءُ صهيون كمَصلحة جنْسٍ مِن الأجناس إنهم لا يَفهمون ولا يُريدون أن يفهموا أن الدين علاقةٌ سَمْحة رَحْبة بين الناس وربِّ الناس
وقد بَدَا لي مِن تجاربَ كثيرةٍ أن المُتاجرين بالحقِّ قد يَكونون شَرًّا مِن المَخْدُوعينَ بالباطلِ، وأنّ العرب الأُمِّيِّينَ كانوا بنَقاء سرائرهم أصْلحَ للحياة والأحياء مِن أهل الكتاب المُستكبِرين الشَّرِهِين.
كان أولئك العرب يَعْتَزُّونَ بكَعْبتهم ويَرغبون طول عُمرهم في استقبالها، وهم لم يَنْسَوا أن اللهَ حمَاها عندما أراد نصارى الحبشة هَدْمَها! وأن قُوَى السماء هي التي تَصدَّت للمُغِيرِين لمَّا عجَز أهل الأرض عن الدفاع، فإذا الجيش المُعتدِي يَلْقَى (طَيْرًا أَبَابِيلَ تَرْمِيهِمْ بحِجَارَةٍ مِن سِجِّيلٍ فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ) مع ما كان للمسجد الحرام مِن هذه المَكانة الوطِيدة، فإن الصحابة قبِلُوا عن طِيبِ خاطرٍ تَرْكَ استقباله لمَّا هاجروا، ولبُّوا أَمْرَ الله باستقبال بيت المَقدس!