كان امتحانًا صعْبًا غير أنهم نَجَحُوا فيه (ومَا جَعَلْنَا القِبْلَةَ التِي كُنْتَ علَيْهَا إلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنْقَلِبُ على عَقِبَيْهِ وإن كانَتْ لَكَبِيرَةً إلَّا علَى الذِينَ هَدَى اللهُ) (البقرة: 143)
وعندما يَحْتدمُ النِّقاش حول القِبْلة التي يتَّجه الناس إليها يَذكر الإسلام حقائقَ رفيعةً، يُلْقيها في مَسامع كل مَن يَنتسبون إلى دين! حقائقُ لا يُقرِّرها إلا الإسلام وحْده! إنه يتساءل: ما هذا اللَّغَطُ حول الاتجاه إلى شمالٍ أو جنوب؟
إن الكمال البشريَّ لا يَصنعه استقبالُ مكانٍ هنا أو مكان هناك! الكمال المَنشود عملٌ حقيقيٌّ داخل النفس الإنسانية تَزْكو به وتسمو.
العظمة الإنسانية هي اليَقين الراسخ والاستمساك بالله وإنْ هاجت العواصف، وبَذْلُ المعروف وإجابةُ الملهوف ومُساندةُ الضعفاء وإيتاء المَحرومين وهي الثبات على المبدأ وإنْ كثُرتْ المُغرِيات، والمُضيُّ في الجهاد وإنْ فَدَحَت المَغارم!
إن اتجاه المسلمين إلى المسجد الحرام في صلواتهم حقٌّ لا ريب فيه، وهي قضية تنظيمية سنَشرح بعد قليلٍ أبعادَها، بَيْدَ أن ذلك لا يعني نِسيان الحقيقة في الوصول إلى الكمال الإنسانيِّ والرضوان الإلهي.
وتَدبَّرْ قولَه تبارَك اسمُه: (ليسَ البِرَّ أنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ المَشْرِقِ والمَغربِ ولكنَّ البِرَّ مَن آمَنَ باللهِ واليومِ الآخِرِ والمَلائكةِ والكتابِ والنَّبِيِّينَ وآتَى المَالَ علَى حُبِّهِ ذَوِي القُرْبَى واليَتَامَى والمَساكِينَ وابنَ السَّبِيلِ والسَّائِلِينَ وفي الرقابِ وأقامَ الصلاةَ وآتَى الزكاةَ والمُوفُونَ بعَهْدِهِمْ إذَا عَاهَدُوا والصَّابِرِينَ في البَأْسَاءِ والضَّرَّاءِ وحِينَ البَأْسِ أُولئكَ الذينَ صَدَقُوا وأُولئكَ همُ المُتَّقُونَ) (البقرة: 177) .