أيكون عصيانًا مسلحًا للحاكم الموجود؟
لا هذا ولا ذاك.
نعم، إنه خروج على المألوف من تقاليد الحكم الفردي عندنا.
ألا لعنة الله على هذه التقاليد التي أذلت الدين وأمته، وجعلت دار الإسلام نهبًا للذئاب والكلاب!
لقد ذكرت طوفان الخلاف الفقهي الذي يختبئ وراءه الغوغاء.
وهناك ما يساويه في الخطورة؛ هب أن جماعة من الناس رأت أن تضع منهجًا لتصنيع البلاد في بيئة زراعية، أو لاتحادها مع غيرها في أقاليم منفصلة، أو لإنشاء سوق إسلامية مشتركة، أو لتطوير أساليب عرض الإسلام، مستغلة في ذلك إمكانات الحكم، فما الذي يمنع من إنشاء حزب ما لتحقيق ذلك، سواء ضاق به الخليفة أو رَضيَ؟
أيكون ذلك نقضًا للبيعة وخروجًا على الجماعة؟
لا هذا ولا ذاك، لأن الأمة ستقول كلمتها، وسترفض ما تراه خطأ وتُقِرُّ ما تراه صوابًا، ومن فاز بثقتها اليوم يمكن أن يُحرَم منها غدًا مع نجاح المعارضين في كسب الرأي العام.
أليس هذا أفضل من الاغتيال والكبت والاحتيال، وإلصاق التهم بالأبرياء، وتمكين الجهال من الإمساك بدفة الأمور زمنًا أطول مما ينبغي؟
قال صاحبي: كأنك معجَب بالنظام الانتخابي السائد في الغرب!
قلت: إنه نظام أفاد أصحابه كثيرًا أو قليلًا، بيد أنه فسَد عندئذ لأن الاستبداد السياسي زوره ومال به عن فحواه. وأنا ـ باسم الإسلام ـ أحارب الاستبداد بكل ما لديّ من طاقة. إن الكفايات العلمية والعسكرية أُهينَت طويلًا في أمتنا، وبَطَشَ الحكم الفردي بها دون رحمة. أحيانًا أسائل نفسي: لماذا يُقتَل فاتح السند محمدُ بن القاسم بقلة اكتراث؟ لماذا يَقضي فاتح الأندلس بقية عمره مُهانًا منبوذًا، ويُجلَد ابن حنبل، ويموت ابن تيمية محبوسًا؟
لماذا يُغتال حسن البنا؟
لماذا يُشنق أصحابه من بعده؟
لماذا يُضرب رئيس مجلس الدولة عبد الرازق السنهوري بالنعال ليموت من بعدُ مشلولًا؟ لماذا... لماذا؟