بقي قسم العبادات، وأعني بها الأمور التعبيرية التي لها رسوم وأوضاع دينية خاصة لا تَهدي إليها الغرائز ولا العقول؛ كالصلاة المحدودة بأوقاتها وأعدادها وهيئاتها، وكالزكاة المحدودة بأنواعها وأنصِبَتِها ومقاديرها ومواقيتها، وكالصيام المحدود بزمانه وكيفيته، وكالحج، والأضاحي، والكفارات، ونظام التوارث، والعقوبات المقدَّرة المعروفة بالحدود، ونحو ذلك من الأمور التي لا حظَّ للاجتهاد في وضعها ولا في تبديلها وتغييرها مهما تغيرت الأحوال والعصور.
فهذه الأمور جديرة بأن تُسمَّى"رموزًا دينية وشعائر إسلامية"؛ لأنها لا يتعاون فيها مع باعث الدين باعثٌ آخر من غرائز النفس ولا هدايات العقول، ولذلك لا يشارك المسلمين فيها أهل دين آخر بصورتها المرسومة في الإسلام. لكن منها ما ليس بواجب قطعيٍّ عينًا كالضحايا.
ومنها ما لم يُقصَد وضعُه ابتداءً، بل عُلِّق على وقوع شيء من المخالفة لتعاليم الدين كالحدود والكفارات.
على أن الحدود ونظام المواريث ـ وإن كانا تَعَبُّديَّين ـ إلا أنهما من الأمور الموضوعة لإقامة مصالح الدنيا بالقصد الأول، وقد يأخذ بهما من ليس على هذا الدين لما فيهما من المناسبة للعقول.
فلم يَبقَ من فروع الدين ما يصلح أن يكون أساسًا لشعائر الدين سوى الأركان الأربعة المذكورة في الحديث ـ مع الشهادتين ـ لأنها شعائر ظاهرةٌ خاصةٌ بهذا الدين وحده، واجبةٌ وجوبًا عينيًّا، مقصودةٌ للشارع قصدًا أوليًّا، موضوعةٌ لإقامة مصالح الدين أولًا وبالذات، ومصالح الدنيا ثانيًا وبالعَرَض.
فلذلك كانت لها الصدارة على سائر الفروع، حتى نُظمَت مع الأصل الذي هو مبدأ الإسلام ـ يعني الشهادتين ـ في سلك واحد وصارت القواعد خمسًا.
وهذا الكلام للعلامة الشيخ دراز من خير ما قيل في شرح بناء الإسلام على خمس.