وننقل ما قاله الرجل الذكي رحمه الله، فبعد أن تحدث عن الإيمان وأنه عصب الحياة في الدين ومصدر الطاقة الكامنة في أعماله كلها، تساءل عن الصلاة والزكاة والصيام والحج؛ لماذا ذُكرَت دون شُعَب الإسلام الأخرى!
فقال: لأنها أعظم المظاهر وأوضح العناوين على الإيمان بهذا الدين من حيث هو دين سماوي؛ لما فيها من الاستسلام لأمر الله لمجرد أنه أمره دون قصد إلى مصلحة عاجلة من المصالح العامة أو الخاصة، أما ما عداها من الأعمال فليست لها هذه المنزلة في الدلالة على الانتماء إلى الإسلام.
ذلك أن الفروع الدينية منها ما هو باطن لا اطِّلاعَ لنا عليه؛ كالإخلاص والتوكل والرضا ومحبة الخير للغير وسائر ما يبحث عنه علم الأخلاق. وهذا القسم لا يصلح شعارًا ولا علامة ظاهرة للمسلمين فضلًا عن أن يكون أساسًا لشتى العبادات والمعاملات.
أما الأعمال الظاهرة في الشريعة فأنواع:
منها ما يرجع إلى المصالح التي تقتضيها الفطرة؛ كوسائل الحفاظ على الشخص أو النوع ـ من النظافة، والستر، وطلب الرزق، وابتغاء النسل من طريق شريف ـ وكالجهاد دفاعًا عن النفس أو العرض أو الحق كيف كان.
ومنها ما يرجع إلى المصالح التي تدركها العقول وتَهدي إليها التجارب؛ كقوانين المعاملات، وآداب الاجتماع من الصدق والوفاء بالعهد والإقساط في الحكم، وبذل العون للمحتاجين، والدعوة إلى الخير والضرب على أيدي المفسدين.
وهذان النوعان لا يُعَدُّ الاستمساك بهما دليلًا على إسلام صاحبهما، فقد يستمسك بهما من هو على دين باطل ومن لا دين له أصلًا، استجابةً منه لدواعي الفطرة والعقل دون نظر إلى توجيه سماوي.