فهرس الكتاب

الصفحة 22 من 566

هذا التصوف يحوِّل المعرفة النظرية المجردة إلى عاطفة قلبية مشبوبة، فالتكاليف تؤدَّى برضا واستحلاء لا بتعب ومعاناة، والمعاصي تُترَك باستغناء واستعلاء، كما قال يوسف عندما تعرض لإغراء الملكة وصُوَيحِباتها وفُرِش له طريق الغواية بالأزهار: (ربِّ السجنُ أحبُّ إليَّ ممَّا يدعونني إليه وإلاّ تَصرِفْ عني كَيدَهنَّ أَصْبُ إليهنَّ وأكُنْ من الجاهلين) (يوسف: 33)

وانتقال العلم من تصورٍ ذهني جافٍّ إلى شعور قلبي عطاءٌ إلهي جليل القدر، وقد أشار إليه القرآن الكريم وهو يذكر امتنان الله على أصحاب رسوله: (واعلَموا أنّ فيكم رسولَ اللهِ لو يُطيعكم في كثيرٍ من الأمرِ لَعَنِتُّم ولكنّ اللهَ حبَّب إليكم الإيمانَ وزيَّنه في قلوبِكم وكرَّه إليكم الكفرَ والفسوقَ والعصيانَ أولئك هم الراشدون. فضلًا من الله ونعمةً) (الحجرات: 7،8) .

كما أشار إليه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في قوله:"ذاق حلاوةَ الإيمانِ مَن رَضِيَ باللهِ ربًّا وبالإسلامِ دينًا وبمحمد نبيًّا ورسولًا".

ويقول علماء النفس: إن للشعور ثلاثةَ مظاهر هي: الإدراك والوجدان والنزوع.

ونقول نحن: مَن أراد الله به خيرًا جعل إدراكه يقوم على الصدق، وجعل وجدانه يقوم على العُمْق، وجعل نزوعه يقوم على الشوق.

إننا عندما نرمُق عظماء المؤمنين نجدهم أُوتُوا من عمق العاطفة بقدر ما أُوتُوا من صدق المعرفة، ومن ثَمّ يكون نزوعهم حارًّا ممتدًّا.

وتدبَّرْ الآيات في وصف موسى عليه السلام: (وما أَعجَلَكَ عن قومِك يا موسى قال هم أولاءِ على أثَري وعَجِلتُ إليك ربِّ لتَرضَى) (طه: 84) .

تدبَّرْ حرارة الحب ونزوع الشوق فيما رُوي أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يَعرِض ثوبه لبواكير المطر، ويقول:"هذا مطر حديثُ عهدٍ بربه".

أفكذلك نرى جماهير المتدينين؟

أو هل يرتفع علماء الدين إلى هذا المستوى؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت