فهرس الكتاب

الصفحة 23 من 566

في قراءاتي وتجاربي رأيت أناسًا على حظ حسن من علوم الشريعة وأحكام الفقه، بيد أن قلوبهم خاوية من الإحساس اللطيف، والرغبة في التسامي، والحب للآخرين.

كما رأيت أناسًا في مشاعرهم لُطْفٌ، وفي مسالكهم إيثارٌ، لكنْ يَشينُهم قصور علمي وفقه قليل في شرائع الإسلام.

كِلا الصنفين مسيء ومقصِّر!

والواقع أن العالِم الذي لا قلب له، كالشاعر الذي لا وَعيَ له، بلاءٌ على الإسلام وعائق عن الانتفاع به. فالدين عقل وعاطفة، وعلم وأدب، ونظر صائب، وبصيرة نيرة.

ومن سوء حظ الثقافة الإسلامية فقهاء لا دراية لهم بعلم القلوب ونهج التربية، ومتصوفون صِفْر الأيدي من قوانين الشريعة وضوابطها!

والراسخون في العلم سالمون من هذه الآفات، ومن يقرأ لابن تيمية وابن القيم والغزالي وابن الجوزي والرازي وغيرهم يرى رجالًا على درجة رفيعة من جَيَشان المشاعر والاستبصار العقلي.

واسمَعْ للإمام المدقق ابن القيم وهو يحدو النفوس إلى الدار الآخرة، ويقول لكل سائر على الدرب:

فحيَّ على جناتِ عَدْنٍ فَإِنَّها منازِلُك الأولى وفيها المُخَيَّمُ

أو إلى أبي حامد الغزالي الذي أشرَف على تفكير أرسطو وأفلاطون، واستبان عثراته وكشَف ما اعوجَّ منه، ومع هذا الاستعلاء العقلي فهو يتحدث عن استدامته لذكر الله، حتى إذا سكت لسانه ظل الفؤاد على حالته يلهج ويردد ولا ينقطع له صدى!

وعندي أن تفاوت هؤلاء الأعلام في آرائهم يرجع إلى تفاوت العلل التي عالجوها، وتشخيص الأسباب التي أدت إليها، ذلك إلى جانب ما بين طبائع البشر من خلاف في الأذواق والآفاق.

والقدْر المقبول، بل المطلوب، من التصوف يكون في الميادين الآتية:

أولًا: في دراسة البواعث النفسية وفَرضِ رقابة صارمة على بواعث العمل حتى تصفوَ النية من كل كَدَر وتُخلِص لله سبحانه.

ويلاحظ أن النفس الإنسانية شديدة المكر واسعة الحيلة، وأنها قد تحقق ما تَهوَى عن طريقٍ ظاهره الطاعة، وباطنه إشباع الهوى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت