وقد جاءت عن أبي ذر رواية أخرى تُفَسِّر ما نقلناه هنا قال: انتهيت إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو جالس في ظل الكعبة فما رآني قال:"هم الآخرون ورب الكعبة"قلت: يا رسول الله فداك أبي وأمي، مَنْ هُمْ؟ قال:"هم الأكثرون أموالًا، إلا من قال هكذا وهكذا ثلاث مرات من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله، وقليل ما هم! ما من صاحب إبل ولا بقر ولا غنم لا يؤدي زكاتها إلا جاءت يوم القيامة أعظَمَ ما كانت وأسمَنَه تَنْطَحُهُ بقرونها، وتَطَؤُهُ بأَظْلَافِهَا، كُلَّمَا نَفِدَت أُخْرَاهَا عادت إليه أُولاَها حتى يُقْضَى بين الناس".
وهذا الحديث يُفِيدُ إخراجَ الحقوق المعلومة والتَّيَقُّظَ إلى كل خَلَل يَقَع في المجتمع والمسارعة إلى سَدِّه، وهو ما قاله الله سبحانه: (الذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِالليْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) (البقرة: 274) .
وهذا الاتفاق المطلوب لا يَعْنِي أبدًا أنْ يَظَلَّ المرء يُنْفِق حتى يُفْلِسَ ويصبحَ مساويًا لمن كان يعطيهم! فهذا فَهْم سَخِيف، وإنما القصد قَهْر البخل وإحسان المواساة! عن جابر بن عبد الله ـ رضي الله عنه ـ قال جاء رجل بمثل بَيْضَة من ذَهَب، فقال: يا رسول الله، أصبتُ هذه من مَعْدِنٍ، فَخُذْهَا فهي صَدَقَة، ما أَمْلِك غيرها. فأَعْرَض عنه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ثم أَتَاهُ من قِبَلِ ركنه الأيمن فقال مثل ذلك، فأعرض عنه، فأتاه من قبل ركنه الأيسر فقال مثل ذلك، فأعرض عنه، ثم أتاه من خَلْفه فقال مثل ذلك، فأخذها ـ صلى الله عليه وسلم ـ فَحَذَفَهُ بها، فَلَوْ أَصَابَتْه لَأَوْجَعَتْه، وقال:"يأتي أحدكم بما يَمْلِك فيقول: هذه صدقة. ثم يَقْعُدُ يَتَكَفَّف الناس! خير الصدقة ما كان عن ظَهْر غِنًى".