وإنما شرحنا هذه القضية لأن البعض نسَب إلى أبي ذرّ أنه يُحَرِّم الكَنْزَ ويأمر بالنفقة حتى لا يَبْقَى شَيْء! هناك حق معلوم قُدِّرَ في السنة الشريفة بربع العشر في الأموال المدَّخَرة وعروض التجارة، وبنصف العشر في المحاصيل التي يَتَكَلَّف فيها أصحابها، وبالعُشْرِ في المحصولات السَّهْلَة.
وأختار في الأراضي الزراعية المستأجَرة أن تكون الزكاة بين المالك والمستأجِر، كما أختار القول بأن الزكاة في جميع ما تخرجه الأرض من حبوبٍ وفواكهَ وثمارٍ.
وقد جاءت في ميادين المال أشياءُ تَقتضي النظرَ في أحكام الزكاة المتوارَثة؛ فإن القواعد التي درسناها تجعل الوزير مثلًا لا يُخرج زكاةً عن مُرَتَّبِه الذي ينفقه في بيته ما دامت النفقة تستغرقه، على حين تُوجِب الزكاةَ على فَلَّاح يَزْرَعُ فَدَّان شعير وتطالبه بحق الفقير يوم الحصاد! كما أن أغلب الفقهاء القدامى لا يأخذون زكاة من فدان فاكهة يَدِرُّ ألف جنيه، ويأخذونها من فدان يَدِرُّ ربع هذه القيمة!
وقد لَفَتُّ النظر من أربعين سنة في أَوَّلِ كتاب أَلَّفْتُهُ إلى هذا التفاوت المُثِير، وتَحَدَّثْت عَمَّا أَسْمَيْتُهُ (زكاة المال وزكاة الدَّخْل) وقد كان ذلك إشارة محدودة إلى ما يجب عمله، لاسيما أن الزكاة ليست عبادة مَحْضَة يَسْتَحِيل فيها التغيير، بل هي عِبَادة مربوطة بِحِكْمَة وتترتب عليها مصالح مُتَجَدِّدَة. ثم جاء الشيخ يوسف القرضاويّ فوضع كتابه (فقه الزكاة) الذي قُلْتُ: إنه أهم كتاب أُلِّفَ في هذا الركن الإسلاميّ منذ بَدَأَ تاريخنا الثقافيّ.
والواقع أنه يَجِب أن تَقُومَ على عَجَل لجنةٌ من الفقهاء والاقتصاديين تترجم المصطلحات القديمة إلى مفاهيمها الحديثة، وتُبَيِّن كم تساوي عشرون مثقالًا من ذهب، ومِئَتَا دِرْهَم من الفضة، وخمسة أَوْسُق من الحبوب، وماذا يَتْرُكُه التضخم من آثار في قيم الأَنْصِبَة.