والواقع أن الثقافة الإسلامية منذ نشأتها تشعَّبت أصولها وفُروعها، وتشعب العمل الذي يقوم به المسلمون فُرادَى وجماعاتٍ، وليس في تاريخ هذه الثقافة علْم دينيّ بعيد عن الحياة، وعلْم مدنيّ بعيد عن الدين، ولم يقع انقسام العلم إلى دينيٍّ ومدنيٍّ إلا في عصور السقوط والاضْمحلال.
وبَدَهيٌّ أن تكون علوم الشريعة أول مظاهر الحركة العلمية في الإسلام، فنشأت علوم القرآن والسُّنة والأخلاق والتربية، ولا يَجرؤ أحد على إنكار ما في القرآن الكريم والسُّنة المُطهرة من خُصوبة فكرية ومنابع غزيرة للفكر والوجدان والسلوك، إنهما مِهادٌ جليل لحضارة إنسانية ذكية رحْبة.
ثم صاحَب ذلك ميلادُ العلوم العربية؛ من نحْوٍ وصرْف ومعانٍ وبيانٍ وبديعٍ، وازدهر الأدب والبحث في فلسفة اللغة وأسرار البلاغة، وأُلِّفَتْ القواميس، وأصبحت الدراسات الأدبية واللغوية جزءًا أصيلًا من عمل المعاهد الدينية.
ونشطت الدراسة الفلسفية التي تحولت في عصرنا إلى علوم إنسانية، فلم تَبْقَ في أرض الله أثَارةٌ من معرفة إلا استقدَمها العرب وتوفَّرُوا على فَهْمِها وتقويم مَسارها.
ومع نُضج الفكر الإسلاميّ ظهرت علوم الكون والحياة مُستهدية بمنطق الملاحظة والتجربة ـ وهو منطق قرآنيّ المَنْبَت ـ فكانت علومُ الرياضة من حساب وجبر، وعلومُ الطبيعة والكيمياء والفلك.
ويكاد المُنصفون من مُؤرخي الحضارة يُجمِعون على أن المسلمين هم أُولو الفضل على النهضة الأوربية، وأنهم السبب المباشر في عصر الإحياء.
وقد كان مِن وراء الانتصارات العسكرية الإسلامية ـ إلى ما قبل بضعة قرون ـ تفوُّقٌ علميّ وصناعيّ، هو الذي أعان على فتح"القسطنطينية"وحصار"فِيينَّا"ووقف الزحف الصليبيّ.