فهرس الكتاب
ويرى المُحقِّقون أن الحرب التي نشَبَت بين العلم والدين في أوربا، قد أشعلتها الكنيسة عن عمدٍ؛ لأنها رأت أن الاتجاه العلميّ المبتكِر الناشط هو أثر الزحف الإسلاميّ الناجح، وأن العلماء الباحثين هم طابور خامس للجهاد الإسلاميّ القديم.
بيد أن هذا كله تلاشَى مع خُمول المسلمين الأخير، وانطفاء جَذْوتهم، وانتشار الجهل العام في رُبوعهم، وفهم كثير منهم أن العلم لا يتجاوز دراسة الوضوء والصلاة والمواريث! وأن ما وراء ذلك من أدب وفنٍّ وكشْفٍ وذكاءٍ نوعٌ من الفُضول.
وقد دفعوا ثمن ذلك الخطأ سوادًا صبَغ الوجوه وأخزَى النفوس، وجعل بلادهم بين الأطلسيّ والهادي مَسْرحًا لاستعمارٍ أنانيٍّ ظَلُوم، أكل دِينَهم ودُنياهم على سواء.
ومن الغرائب أن بعض الفِتية المُشتغلين بالدِّين لا يزالون صرْعَى هذا الغلط الفاحش، وأن المُنتسبين منهم إلى كليات عملية أو مدنية يَصْدِفُون عن الدراسات المكتوبة عليهم ويَقولون: ندرس علوم الدين.
وَيْحَكُمْ! وهل يقوم الدين إلا بالعلوم التي فيها تَزهَدون! وكما لا يقوم إلا بها، فهو ما يحسن فهْمُه إلا في ضَوْئها.
من هؤلاء الفتية مَن أمضى عدة سنوات في كليات الهندسة أو التجارة أو غيرها، ورأى أن يُضحيَ بالسنوات التي قضاها ويلتحق بإحدى الجماعات الإسلامية!
وأقتطف هذه الفقرات من رسالة كتبها لي أحدهم يقول فيها:
"يُؤلمني ألَمًا شديدًا ويعتصر قلبي حزنًا تعدُّدُ الأهواء وإعجابُ كل ذي رأيٍ برأيه! وقد دعوت الله أن يُلهمني الحق ويَهديَني الطريق القويم ويُوفقني إلى الالتحاق بالجامعة الإسلامية، فقد علمت مِن قراءتي للإمام الشافعي أن العلم ما كان قال حدثنا وأخبرنا وغيرُ ذلك وساوسُ شياطين! ولذلك فإني أرغب في التعلُّم الدينيّ المنهجيّ! واللهُ يُوفقك لمُساعدتي".
وقد رق قلبي لصاحب الرسالة، وحاولت إلحاقه بكلية الشريعة في دولة قطر ولكن التعليمات القانونية لم تسمح!