وعندما يقول سبحانه: (وما آتيتم من رِبًا ليَربُوَ في أموالِ الناسِ فلا يَربُو عندَ اللهِ) (الروم: 39) فذلك تمهيد لقوله فيما بعد: (وأحلَّ اللهُ البيعَ وحرَّم الربا) (البقرة: 275) .
وعندما يقول: (يسألونك عن الخمرِ والمَيسِرِ قل فيهما إثمٌ كبيرٌ ومنافعُ للناسِ وإثمُهما أكبرُ مِن نفعِهما) (البقرة: 219) فذلك تمهيد لقوله فيما بعد: (إنما الخمرُ والمَيسِرُ والأنصابُ والأزلامُ رجسٌ من عملِ الشيطانِ فاجتَنِبوه) (المائدة: 90) .
إن هذا التدرُّج كان الطريقةَ المثلى لفطام الناس عن رذائل أَلِفُوها وأدمنوها وتعصبوا لها.
وقد حاولت الولايات المتحدة تحريم الخمر بقانون صارم مرة واحدة ففشلت فشلًا محزنًا بصورة أشنع! وتبيَّن أن الشارع الإسلامي أذكى وأحكم!
ومنفعة الميسر أن ربحه كان يُرمى للفقراء، ومنفعة الخمر ما يشعر به الشارب من نشوة وغيبوبة ينسى فيها أحزانه إلى حين، أو ما يُحسه من دفء كاذب!
وكِفّة الإضرار أرجح، والقانون الشرعي"للأكثر حُكمُ الكل، وما قارب الشيءَ يُعطَى حُكمَه"!
وبعض المفسرين رأى أن الآيات الأخيرة في الخمر والربا ناسخة لما نزل قبلها من آيات، متوهمًا أن بينها تعارضًا، وهذا خطأ، فلا تعارض ولا نسخ.
بيد أن حمَّى النسخ أصابت قومًا من الفقهاء والمفسرين فجعلتهم يقولون كلامًا غريبًا.
أذكر أني كنت أقرأ شرح"الخازن"لسورة الأنعام بدءًا من قوله تعالى: (قد جاءكم بصائرُ من ربِّكم فمَن أبصَرَ فلنفسِه ومن عَمِيَ فعليها وما أنا عليكم بحفيظٍ) (الأنعام: 104) فإذا الرجل يقول: الآية منسوخة.
وبعدها قال تعالى: (اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إليك من ربِّك لا إلهَ إلا هو وأَعرِضْ عن المشركين) (الأنعام: 106) فإذا هو يقول: الآية منسوخة.
ولا أدري بدقة كم آية نسخها في صفحة واحدة!